{ فاختلف الأحزابُ من بينهم } ما ذكر من مدح عيسى سبب لمبالغة من بالغ ، وجاوز الحد ، وتقصير من قصر حتى كذب به كما دلت الفاء ، فصار ما هو سبب للاتفاق سببًا للاختلاف بين الأحزاب ، قيل هم المسلمون وهم قالوا بما قال الله D ، واليهود والنصارى ومشركو العرب ، والهاء للأحزاب كذبته اليهود وبهتوه وعادوه ، حتى عملوا في أن يقتلوه .
قال نسطور من النصارى بعد رفعه: هو ابن الله أظهره ثم رفعه .
وقال يعقوب: هو الله هبط ثم صعد .
وقال ملكان: هو عبد الله ونبيه .
وقال أتباعه بعده: عيسى ناسوت قديم أزلى ، ولدته مريم ، والصلب والقتل وقع على الناسوت ، ومن قال هو إله قال: وقع القتل والصلب على الناسوت .
ويحكى عن أتباع ملكان أن المسيح ناسوت كلى لا جزئى ، وأنه قديم ، وقد ولدت مريم إلهًا أزليًا ، وأن القتل والصلب وقعا على الناسوت واللاهوت معًا .
قال مشركو العرب بعدم تصديق أن ما في القرآن من الله D ، ومنهم من تنصر ، ومن تهود ، وقيل: الأحزاب اليهود والنصارى ، لأنهم قوم عيسى ، وفيهم ولد ونشأ ، لأنه إسرائيلى ، كما أن اليهود والنصارى إسرائيليون ثم دخل في دين النصارى غير الإسرائيليين ، ومن كان منهم غير إسرائيلى أكثر ، وأهل الكتاب شهروا به ما بين معاد ومسلام ، فهم المراد بالأحزاب ومن والنصارى من قال يقول المسلمين ولم يخلصه بكفر ، وهم قليل ، وقيل الأحزاب اليهود والنصارى ، ومشركو العرب ، ويدل لعدم دخول المسلمين في الأحزاب ، لأن معنى من بينهم أنهم اختلفوا اختلفا صادرًا من أنفسهم ، أو ثابتا منها ومخالفة المسلمين لهم لمتابعة كلام الله سبحانه لا تبع لأنفسهم .
من للابتداء ، وأجاز أبو حيان زيادتها تأكيدا ، وأجاز أن تكون للتعليل على انفصالهم عن الحق ، وعلى زيادتها جاز دخول المسلمين ، ومن قال كقولهم ، ويناسبه قوله تعالى:
{ فويلٌ للَّذين كفَروا } تحزرًا عن المسلمين ، ومن قال مثلهم لا ويل لهم ، فلو أريد بالأحزاب المشركون اليهود وغيرهم لقال: فويل لهم إلا أن يقال: ذكرهم باسم الكفر نقيمًا وتصريحًا بسبب الويل ، ومن قال بقول المسلمين ، وكفر بأمر آخر فويله ليس من جانب عيسى ، ويجوز دخول المسلمين ، ومثلهم فيقدر: فويل للذين كفروا منهم أى من الأحزاب .
{ مِنْ مَشْهد يوم عَظيم } من بمعنى في والإضافة للبيان ، وشمهد زمان الشهادة وهو يوم القيامة ، أو من للتعليل أو مشهد نفس الشهادة أو مكان الشهود في يوم عظيم ، أو مشهود به في حق عيسى وأمه من السوء كقوله تعالى: { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } وعلى كل حال أضيف ليوم القيامة لأنه يوم الهول تشهده الملائكة والأنبياء ، وتنطق فيه ألسنتهم ، وجوارحهم ، ويضعف تفسير ذلك بوقت قتل المسلمين الكفار ، وليست وقتا واحدا .