{ لأَنْتُمْ } أيها المؤمنون { أشَدُّ رَهْبَةً } إِرهابا فهو اسم مصدر فالرهبة فعل للمؤمنين لأَنه بمعنى الإِرهاب الذى هو مصدر من المبنى للفاعل ويجوز أن يكون مصدرا من المبنى للمفعول الثلاثى لأَن المؤمنين مرهوبون لا راهبون { فِى صُدُورِهِم } صدور اليهود أو المنافقين أو الفريقين { مِنَ اللهِ } أى إِرهابكم إِياهم أشد عندهم من إِرهاب الله لهم أو رهبتهم منكم أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله D ، وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله D ، واعلم أن تقديم عزة الله على جلاله أولى لتقدمها في لحديث القدسى ، كما مر في قوله تعالى: وعزتى وجلالى ، ولم يقل وجلالى وعزتى ، والأَولى أن المعنى تخيفونهم أكثر مما يخيفهم الله D عندهم ، أو يخافونكم أشد مما يخافون الله D ، وفى ذكر الصدر مع أن الخوف لا يكون إِلا منه مبالغة كقولك: هذا ما كتبته بيدى ، وهذا مما رأيته بعينى وهذا مما سمعته بأُذنى .
{ ذَلِكَ } المذكور من كونكم أشد إِرهابا لهم من الله عندهم أو كونهم أشد لكم رهبة منه تعالى { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } عظمة الله D فلم يخشوه حق خشيته { لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ } أى اليهود أو هم والمنافقون فبهذا ضعف ودهاء صدورهم إِلى المنافقين وحدهم { جَمِيعًا } حال من الواو لا من الكاف ، أى لا يقدرون على قتالكم مع أنهم مجتمعون { إِلاَّ فِى قُرًى } حال ، أى إِلا في حال أنهم في قرى أو متعلق بيقاتل ، أى لا يستعملون إِليكم إِلا في قرى وخوفهم شديد بحيث يصدق عليهم قول المتنبى:
وضاقت الأَرض حتى صار هاربهم ... إِذا رأى غير شئ ظنه رجلا
وقول بعض:
ما زلت تحسب كل شئ بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا
{ مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ } فكيف يقاتلونكم غير مجتمعين أو في غير قرى أو في قرى غير محصنة لقذف الله D الرعب في قلوبهم ومزيد رهبتهم والتحصين بالخنادق والدروب والشوك ونحو ذلك ، والجدر الحيطان أو جذوع النخل القائمات فإِن النخل مما يستتر به .
{ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } إِذا تقاتلوا ولكن خوفهم الله D منكم ، والجملة مستأنفة أو حال وبين متعلق بشديد قدم للحصر والفاصلة ، أو حال من ضمير شديد { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا } مجتمعين بقلوبهم ذوى أُلفة واتحاد { وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } متفرقة لا أُلفة بينهم لعداوة وحقد بينهم فليسوا يقاتلونكم بيد واحدة ففيهم ضعف وافتراق فلا تخافوهم ، فكأَنكم تقاتلون عددًا أقل مما ترون من عددهم ، وكأَنه فيهم من يعينكم لتعاديهم فيما بينهم ، وهذا تجسير للمؤمنين عليهم والجملة حال من ضمير تحسب والربط بواو الحال أو من الهاء والربط بواو الحال والضمير ، وشتى جمع شتيت وألفه للتأَنيث ، وقيل المراد أن دين المنافقين وآراءَهم يخالف دين اليهود وآراءهم .