{ إنَّا كلَّ شَىءٍ } منصوب على الاشتغال فهو بفعل الخبر ، أى إنا خلقنا كل شىء { خَلقْناهُ } فهذه الجملة المحذوفة خبر ان { بقَدرٍ } متعلق بخلق المذكور لا المحذوف ، فخلقناه المذكور مؤكد للمحذوف ، ولم ينسحب التويكد على بقدر ، لو قدر مثله للمحذوف لانسحب عليه التوكيد ، إنا خلقنا كل شىء بقدر ، خلقناه بقدر ، لكن لا حاجة الى تقديره ، ولا دليل ونصب كل دليل على تقدير الناصب فقط ، ولو لقنا بقدر المذكور لا بخلق المحذوف لم يحصل التأكيد أيضا إلا على تقدير مثله لخلق المذكور ، ولرفع كل كما هو قراءة شاذة لكان خبره وقوله: { خلقناه بقدر } وهو المعنى المراد ، فيحتمل أن يكون قوله: { خلقناه } نعتا لشىء ، ويقدر خبر كل فيكون المعنى كل شىء متصف بأنه مخلوق لنا بقدر ، فربما توهم أن ثم شيئا غير مخلوق لله تعالى ، فلا يبطل الا بخارج وهو سائر الآيات ، والدلائل التى نصبت أنه خالق سواه ، فالنصب أولى لأنه لا احتمال معه .
ومعنى بقدر بتقدير ، أى باحكام واستيفاء لا مهملا ، فذلك كقوله تعالى: { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } أو المعنى بمقدار مخصوص أو المعنى أنه مكتوب في اللوح قبل خلقه ، الآية رد على من نفى القدر عن الله D ، خاصم قريش رسول الله A في القدر ، فنزل: { يوم يسحبون } الى { بقدر } رواه أبو هريرة ، وهو يقتضى أن يوم منصوب باذكر ، وقال A: « صنفان من أمتى ليس لهما في الاسلام نصيب المرجئة والقدرية » نزل فيهما { إن المجرمين } الى { بقدر } رواه ابن عباس ، وكان ابن عباس يبغض القدرية جدا ويقول: لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ، ثم قال: الزنى بقدر ، والسرقة بقدر ، وشرب الخمر بقدر ، قال مجاهد: قلت لابن عباس: ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟ قال: أجمع بينى وبينه ، قلت: ما تصنع به؟ قال: أخنقه حتى يموت .
وعنه A: « لكل أمة مجوس ومجوسا أمتى الذين يقولون لا قدر ، ان مرضوا فلا تعودوهم ، وان ماتوا فلا تشهدوهم » أو كل شىء له مقداره الذى قضاه الله له ، وعن ابن عباس: كل شىء بقدر حتى وضعك يدك على خدك ، قال عمر: قال رسول الله A: « إذ جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فينادى نداء يسمعه الأولون والآخرون أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية فيأمر بهم الى النار » يقول الله: { ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر } سماهم خصماء الرحمن لأنهم ينفون قدرة الله على أفعالهم فقالوا: انهم خلقوا أفعالهم ولم يخلقها الله ، وقالوا: لا يقدر أن يخلق المعصية ويعذب عليها فاعلها ، ولا يعلمها حتى تقع .
وأما من قال لا يعلم شيئا حتى يقع معصية أو غيرها فقد انقطعوا ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله A يقول: « كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام ، وعرشه على الماء ، وذلك كتابة في اللوح المحفوظ ، وإلا فلا أول لعلمه لأنه صفة أزلية » ومن القدرية المعتزلية .