فهرس الكتاب

الصفحة 994 من 6093

{ وَهَذا } أَى القرآن { كِتَابٌ } عظيم { أَنْزَلْنَاهُ } خبر ثان أَو نعت كتاب { مُبَارَكٌ } خبر ثالث أَو نعت ثان { مُصَدِّقٌ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } خبر رابع أَو نعت ثالث ، والمعنى على الأَخبار أَن القرآن كتاب عظيم كما دل عليه التنكير ، وأَنه أَنزلناه نحن فما فيه حق لا كذب ولا كلام لغير الله ولا تعليم بشر ، وما فيه من فصاحة وبلاغة من الله لا من الرسول فما يجاريه كلام ، وأَنه كثير الخير الدنيوى والأُخروى والدينى ، وفيه عز الدنيا والآخرة ، إِذ هو مفيد بأَلفاظه يشتفى بها دعاء ورقيا ، مشتمل على الأُصول والفروع وأَعمال الجوارح والقلوب ، وأَنه مصدق بجنس الكتاب الذى بين يديه- أَى قبله- كالتوراة والإِنجيل والزبور والصحف ، والمراد بالذى التوراة لأَنه أَعظم كتاب أنزل قبله ، ولأَن الخطاب لليهود ، ومعظم كتبهم التوراة ، وبين يديه استعارة للقبلية أَو مجاز مرسل ، ومحط التصديق فيما لم ينسخ ولم يختلف فيه في الكتب فظاهر كالتوحيد وصفاته A والتبشير به وكمكارم الأَخلاق وتحريم مساوئها ، وفيما نسخ واختلف في الكتب أَن الكل حكمة وعدل ، وصرح القرآن بأَن ذلك حق وأَن ما نسخ منها بالقرآن قد ذكر الله فيها أَنه سينسخ بالقرآن تلويحًا أَو تصريحًا ، ولو لم يكن فيها من ذكر النسخ إِلا ذكر أَنه يجب اتباعه ، فإِذا جاءَ بما خالفها فذلك نسخ مذكور فيها ، وأَما المعنى على النعت فهو أَن القرآن كتاب عظيم متصف بإِنزالنا والبركة وتصديق الكتب السابقة ، وعلى كل حال قدم الإِنزال هنا لأَن المقام للرد على نفى الإِنزال ومجئ الكلام عقب نفيه وقال ما أَنزل الله على بشر من شئ ، وقدم البركة في قوله: وهذا ذكر مبارك أَنزلناه ، بصيغة الفعل لتجدده بخلاف البركة والتصديق فإِنهما على الثبوت { وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } عطف على محذوف أَى لتبشر من آمن به ولتنذر أُم القرى ، أو عطف على المعنى مما يقال له في غير القرآن عطف لتوهم ، كأَنه قيل: أَنزلناه لتصدق الذى بين يديه ، وهذا لاتصاله أَولى من تقدير أَنزلناه للبركة ولتنذر أم القرى ، وأَولى من هذا اعتبارهما معًا أَى للبركة والتصديق ولتنذر أم القرى ، ويجوز تعليقه بمؤخر ، أَى ولتنذر أم القرى أَنزلناه ، أَو مقدم ، أَى وأَنزلناه لتنذر أم القرى ، ويجوز تعليقه بمعطوف ، أَى مصدق لما بين يديه وكائن لتنذر ، وأم القرى مكة ، أَى لتنذر أَهل أم القرى ، أَو أم القرى أَهلها تسمية للحال باسم المحل ، ومن حولها أَهل الدنيا كلهم ، وما أَرسلناك إِلا كافة للناس ، وسميت أم القرى لأَنها قبلة أَهل القرى ، فهى كالأَصل لسائر القرى ، ومن معانى الأُم الأَصل ، ولأَنها محجهم ومعتمرهم ، والحج من أصول العبادة فهى كالأم للقرى إِذا كانوا يجتمعون إِليها كما تجتمع الأَولاد إِلى الأُم ، ولأَنها أَعظم القرى شأْنًا كعظم الأُم بالنسبة إِلى الأَولاد ولأَنها بسطت الأَرض من تحتها فهى لأَرض كالأُم للأولاد ولأَن فيها البيت الذى هو أَصل سائر البيوت وأَسبق ، الذى هو كالأُم للأَولاد في السبق ، فمكة كالأُم لسائر الأَرض ، ولا دليل لطائفة من اليهود ادعوا بعثه A إِلى العرب خاصة ، وهم من حول مكة! لأَن المراد بمن حولها كل الناس كما رأَيت ، ولو فسر بالعرب فما ذلك إِلا لكونهم أَحق بالإِنذار للنسب والجوار ، كما أرسل موسى إِلى غير بنى إِسرائيل أَيضًا ، وجل خطابه لهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت