{ قال } موسى عليه السلام تنحّ عنى { فاذْهَب } عن الناس كلهم أو عن بنى إسرائيل ، إذ كنت مغويًا { فانَّ لك في الحياة } لأن لك في الحياة ، وفى متعلق بلك لنيابته عن ثابت ، أو بثابت هذا ، أو بثابت حالا من الكاف ، وأخطأ من يعلقه بتقول متمسكًا بالتوسع في الظروف . لأنه إنما يصار الى ذلك التوسع حيث لا مندوحة .
{ أن تَقُول لا مِسَاس } المصدر اسم أن ولم يذكر المقول له للمعموم ، يقول بأقصى صوته لكل أحد عند خوف المس { لا مساس } لك عندى أو بيننا ، وهو مصدر ماس بفتح السين مشددة ، فعل ماض للفاعلة بين الاثنين ، لا يمسه أحد ، أو يمس أحد إلا رحم من حينه حمى شديدة ، ولا يتكلم الناس له ، ولا يتبايعون معه ، ولا يؤاكلونه ، ولا يشربونه ، ولا يعاملونه معاملة ، مَّا ، ولا يلاقى وذلك عقاب له ، وكان كالوحش ، وذلك في الماس الأجنبى وبقيته الى الآن في الشام ، لا يصافحون أحدًا إلا من تحت ثوب ، وأنكر الجبائى الحمى ، وقال إنه لما هو جر ، هام في البرية كالوحش ، وكان يقول لا مساس . والصحيح الأول ، وعوقب بذلك لأنه صور العجل وعبده ليجتمع له الناس فعوقب بالضد ، وهو تفرقهم عنه ، أو لما تسبب لحياة الجماد لمعصية عوقب بالحمى التى هى من أسباب موت الحى ، أو لما نبذ في النار القبضة للمعصية نبذ عن الناس ، وذلك بدعاء موسى عليه السلام ، ومن لك في شرعنا إبعاد الناشزة والآبق والطاعن في الدين ونحوهم ، والجنانى في غير الحرّم الداخل فيه امتناعًا لا يطعمون ، ولا يسقون ، ولا ينفعون حتى ينزعوا عن ذلك ، وقصة الذين خلفوا ، ويروى أن موسى أراد قتله فمنعه الله D لسخائه .
{ وأن لَكَ } مع ذلك { موعدًا } وعدًا أو زمانه أو مكانه ، وعده لجهنم لوقتها ، { لن تخلفه } لا يتركه الله لك ، { وانظر الى إلهِكَ } معبودك { الذِّى ظلْتَ } ظللت كما قرأ الأعمش وأبىّ ، حذفت اللام الأولى تخفيفًا ، وقيل الثاني لتطرفها ، ولحصول التكرار بها ، ذكر أبو حيان عن سيبويه ، أن الحذف شاذ قياسًا ، وهو مختص بما إذا سكن آخر الفعل ، وقال ابن مالك ، وابن هشام: إنه يقاس في كل مضاعف العين واللام في لغة سليم ، وقيل مقيس في المضاعف إذا كسرت عينه أو ضمت ( عليه ) متعلق بقوله { عاكفًا } مقيمًا خصه من بين عابديه ، لأنه رأسهم في الضلال .
{ لنُحرقنه } بالنار حرقًا شديدًا كما قال ابن عباس ، وكما بدل له قراءة أسكان الحاء ، فإن الإحراق شائع بالنار ، فهو لحم ودم كما في مصحف أبىّ وابن مسعود: لنذبحنه ثم لنحرقنَّه ، ويجوز من يجوز التشديد مبالغة في حرقت الحديد بالتخفيف أحرقه بضم الراء ، وإذا برده بالمبرد ، كما يدل له قراءة فتح النون وإسكان الحاء ، وضم الراء ، فإن هذا ظاهر في الحرق بالمبرد ، وهذا ظاهر في أنه غير لحم ودم ، بن هو جماد ، ولا مانع من أنه ذهب باق خلق الله فيه اليحاة ، ويبعد ما قيل: إن التحريق بالمبرد كان للعظام ، ويقال يمكن أنه حرقه بالنار ثم بالمبرد ، وأجيز العكس ، وبحث بأن النار تذيبه وتجمعه ولا تحرقه ، وتجعله رمادًا ، اللهم إلا بالحيل الصنعية .