{ لاهية } عنه حال سببية من أحدى الواوين وقوله: { قُلُوبُهم } فاعل لاهية ، وأسند اللهى الى القلوب لأنها محل رسوخ الشر ومنبعه ، يقال لهى عن الشىء بكسر الهاء يلهى بفتحها سلا عنه ، وترك ذكره ، ولو بلا نسيان ، واستماع الآيت لا ينافى الغفلة المذكروة بقوله في غفلة ، وقوله: « لاهية » لأنها تعقب الاستماع ، أو نزل شعورهم منزلة العدم ، أو لاهية بمعنى تاركه ، ولم اقل لاهية من اللهو بالواو ، ولأن قبله يلعبون ، والتأسيس أولى ، نعم يجوز على معنى يلعبون بجوارحهم وألسنتهم ، مع رسوخ موجب اللهو في قلوبهم ، ومعنى الإحداث أنه يحدث نزوله شيئا فشيئا وعظًا وتذكيرًا ، وليس المراد بالحدوث الذى تضمنه الإحداث نفى القدم ، لأن المقام ليس لذكر حدوثه ، ونفى قدمه للمشركين ، وهو حادث لا قديم ، والله الذى لا إله إلا هو ، إلا أن الآية لم يتنزل لذلك ، ولا يصح لعاقل ، أن يقول بقدمه ، لأنه مركب حال في ألسنتنا ، والقدم لا يحل في الحال .
ولا يصح لمنصف أن يقول ألفاظ القرآن ترجمة للقرآن الذى هو الكلام النفسى ، لأنه مناقض لنصوص القرآن ، والأحاديث أن هذه الألفاظ هى القرآن ، ولا يصح لمن صح إيمانه أن يثبت الكلام النفسى ، لأن فيه اعتقاد أن الله ظرف ، وأن متحيز ، وحال ، وتعدد القدماء حاشاه عن ذلك ، بل نصف الله بالعلم ، وننفى عنه كل شبه بالمخلوق ، ويضعف ما قيل من أن الذكر الرسول ، ومن أنه يداله قوله D: { هل هذا } لأن قوله: { إلا استمعوه } ينافيه إلا بتأويل إلا استمعوا قوله ، أو إلا استمعوا له ، ويقال: رب غافل عن الحساب ، لاستهلاكه في مولاه ، وإعراضه عن دنياه ، فهو يفيق برؤية المولى ، والأول إنما يفيق في عسكر الموتى ، ومعنى رؤية المولى إحضارعظمته .
{ وأسَرُّوا النَّجْوى } اسم مصدر وهو التناجى ، أى الإسرار بينهم ، أو اسم للكلمة المسرورة ، وعلى كل حال المعنى زادوا للإسرار إسرار ، وبالغوا فيه بكل ما أمكن ، حتى إنَّهم لا يتناجون بحضرة من يراهم أو أسروا بمعنى أظهروا ، أى أظهروا ما كانوا يخفونه كقول الفرزدق:
فلما رأى الحجاج أظهر سيفه ... أسر الحرورى الذى كان أغمرا
والأصل خلاف هذا ، ويحتمل البيت معنى نطق بما في قبله سرًا { الذين ظلمُوا } بدل أو بيان من واو وأسروا المحذوفة للساكن ، أو أو فاعل أسروا ، وواو أسر حرف علامة للجمع على لغة: يتعاقبون فيكم ملائكة ، وهى لغة شهيرة لا شاذة ، أو مبتدأ أسروا النجوى ، كقوله قام أبوه زيد ، زيد مبتدأ قام أبوه خبر ، أو يقدرهم الذين ، أو يقول الذين أو أعنى الذين ، أو أذم الذين ويبعد إبداله من الناس ، أو جعله نعتا له ، وأظهر الذين ليذمهم بصلته .
{ هَلْ هذا إلا بشَرْ مثْلُكم أفتَأْتُون السِّحْر وأنْتُم تُبصِرونَ } مفعول لقول مقدر في جواب سؤال ماذا قالوا في إسرارهم لنجوى ، أو مفعول لأسروّا ، لأن فيه معنى القول أو للنجوى بمعنى النتناجى على إعمال المصدر المقرون بأل ، واسمه عمل ألفعل ، أو يقدر فقالوا: هل هذا الخ بعطف القول المقدر على أسروا ، أو يقدر قالوا بلا عاطف ، على أنه بدل من أسرّوا ، أو ذلك بدل من النجوى بلا تقدير قول ، والمعنى أسروا هذه الجمل ، والفاء في « أفتأتون السحر » عاطفة على محذوف ، أى أتظنون عن دينكم فتأتون ، أو أتتركون دينكم فتأتون ، المافظة عندى على عدم تقديم ما بعد العاطف وهو الهمزة بتقدير الجملة أولى ، فلا تقل كابن هشام ، ألا ترى أن الحذف كثير لا تعد كثرته ، ولا تقصر على السماع إلا عند قيام المانع ، والاستفهام هنا للإنكار ، وأنتم تبصرون حال من واو تأتون مقررة الإنكار ، أى كيف تذعنون له مع أنه بشر ، والبشر لا يكون نبيا ، بل المَلَك يكونه .