{ وما أصابكُم } أيها المكلفون المؤمنون والكافرون { مِنْ مُصيبةٍ } كمرض وحزن واحتياج { فبما كَسَبت أيديكُم } من الذنوب ، أو من سوء التدبير لأبدانكم وأحوالكم ، وما موصولة لعدم الفاء في جوابها ، ولداع مثل هذا يقال بموصلوليتها ، لأن الأصل أن لا تحذف الفاء في جواب الشرط ، ولو كان الشرط ما ضيًا ، وليس أنكم لمشركون جوابا لأن في سورة الأنعام { بما كسبت أيديكم } خبر ، ويجوز أن تكون شرطية ، ويقدر الجواب بما يصلح شرطا ، فلا يحتاج للفاء ، أى أصابكم بما كسبت أيديكم ، ويدل على ذلك قراءة فيما بالفاء ، التى هى أصل في الشرطية ، أى فاصابته إياكم بما كسبت أيديكم { ويعْفو عن كَثيرٍ } من ذنوبكم ، وسوء تدبيركم ، لا يترتب عليه سوءا ، أو عن كثير من الناس ، والمتبادر الأول ، ويدل له رواية أبى موسى ، عن رسول الله A: « لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر » وقرأ { ما أصابكم } الآية رواه الترمذى .
ولما نزلت قال رسُول الله A: « والذى نفسى بيده ما من خدش عود أو اختلاج عرق ولا نكبة حجر ، ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله D عنه أكثر » وعن عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها الا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بها أو درجة لم يكن الله ليرفعه لها إلا بها « وفى الصحيح عن رسول الله A: » لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة « وكانت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه تصدع فتقع يدها على رأسها وتقول: بذنبى وما يغفر الله تعالى أكثر .
وقيل لشريح: بم هذه الفرحة في كفك؟ فقال: بما كسبت يدى وما أصاب الأنبياء ونحوهم ممن لا ذنب له ، فهو لرفع الدرجات ، أو لتأديب عن شىء ما ، وما أصاب الطفل ونحوه ممن لم يكلف يثاب عليه في الآخرة ، ويثاب عليه أبواه ، ومن يشق عليه بحسن الصبر ، قال على: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله A ؟ » وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير « وسأفسرها لك يا على ، وما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا ، فبما كسبت أيديكم ، والله تعالى أكرم من أن يثنى عليكم العقوبة في الآخرة ، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله سبحانه أكرم من أن يعود بعد عفوه ، ولا يخفى أن المراد ما تيب عنه ، وأما ذنب أصيب ولم يتب عنه ، فمعاقب عليه في الآخرة ، وما أصيب به من جلد وقطع ونحوهما لا يكفر عنه ذنبه إن لم يتب عوقب بذنبه في الآخرة .