{ واتَّخَذَ } صاغ { قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ } بعد ذهابه إِلى الطور للمناجاة ، وأخذه العهد منهم أَلاَّ يحدثوا في الدين ولا يشركوا ومن للابتداء ، وقيل زائدة بخلافها في قوله: { مِنْ حُلِيِّهِمْ } فإِنها فيه للتبعيض لا لمعنى واحد ، فصح تعلقها بعامل واحد بلا تبعية مع جواز تعلقه بمحذوف نعت لقوله { عِجْلًا } ولو نكرة لتأَخره ، والأَصل حلوى - بضم الحاء واللام وإِسكان الواو - والإِعراب على الياء ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت في الياء ، جمع حلى بفتح فإِسكان ، و هو ما يتزين به من ذهب وفضة وغيرهما ، استعاروه بأَمر الله حين أَرادوا الخروج من مصر ، قبل غرق فرعون ، وأَبقاه الله D ملكًا لهم ، وليس غنيمة لأَنه بلا قتال ، ولا تحل لهم الغنائم ، وقيل استعاروه لعرس وأَحل الله D لهم أَن يملكوه بعد غرق فرعون وقومه كما ورثوا أَرضهم وسائر أَموالهم ، وأَضافه إِليهم لملكهم إِياه بعد الغرق ، والعجل ولد البقرة { جَسَدًا } مستقلا لا صورة منقوشة في الحائط ، بدل من عجلا لا نعت له ، لأَنه جامد غير مؤول بمشتق إِلا أَن يسوغ ذلك بجعل له نعتًا رافعًا لخوار على الفاعلية فيكون من النعت الجامد لوصفه بمشتق ، أَى جسدًا ثابتًا له خوار ، كقوله D { بشرًا سويا } وأَجاز بعضهم عطف البيان في النكرات { لَهُ خُوَارٌ } صوت البقرن يخور ويمشى عند السدى ، أَو يخور ولا يتحرك عند وهب ، وقيل يمشى ، وكان لحمًا ودمًا ، وإِذا خار سجدوا له حتى يسكت ، وقيل خار مرة واحدة ، ذبحه موسى عليه السلام ، والذبح دليل اللحم والحياة ، وكذا الخوار ، وحرقه وأَلقاه في البحر ، صوره السامرى من الحلى ، وكان حدادا مطاعا في قومه ، وأَلقى فيه أَو في فمه من تراب أَثر فرس جبريل حين رأَى أَثره ينبت في الحين ، وقد سأَله قومه ِلهًا يعبدونه . وقيل: وقعت فيه قوة من جبريل وهو روح الحياة فجيى ، وذلك بأَمر الله لا كلما مر بشئ ، وإِنما شاهد أَثر الفرس حين جاءَ جبريل على صورة فرس أَنثى ليتبعه خيل فرعون وقومه ، وكانت ذكورًا فيغرقوا ، وأَمسكه عنده ، أَو كان ذلك عند ذهابه إِلى الطور مع موسى ، وظاهر ذلك أَنه عندهم إِله مستحدث ، لا ما قيل أَنهم من أَهل الحلول ، ادعوا حلول الله في تلك الصورة ، وأَنهم لذلك قالوا: وإِله موسى ، وإِنما قالوه توهما أَو خداعًا ، وقيل: الخوار مجاز صورى ، وكذا العجل جعل في جوفه أَنابيب على شكل مخصوص موجه للريح ، فيخرج منه صوت كصوت البقر ، وليس لحمًا ولا دمًا ، وهو قول جمهور المعتزلة ، ولو كان ذلك لما احتاج إِلى أَثر الرسول ، إِلا أَن يقال: أَحدث فيه أَثر الرسول صوتًا كصوت البقر بلا حياة ولا انقلاب لحمًا ودمًا ، ولا حاجة إِلى أَنابيب { أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ } كما يتكلم الإِنسان ، وكما كلم موسى ربه { وَلاَ يَهْدِيهِمْ } كما يهدى الإِنسان آخر ، وكما هدى الله قوم موسى { سَبِيلًا } نفى للتعجب منهم ، ومن إِخلالهم في النظر ومن ضلالهم ، إِذ جعلوه إِلهًا وعبدوه حتى أَنه يلزم على ذلك أَنه خالق للأَجسام والأَعراض مع أَنه لا يوجد منه كلام إِلا الخوار ، ولا يرشدهم لسبيل { اتَّخَذُوهُ } صاغوه من الحلى فهو تأكيد لما سبق ذمًا لهم ، أَو اتخذوه إِلهًا { وَكَانُوا ظَالِمِينَ } عطف أَو حال ، ومن شأْنهم الظلم بالذنوب لأَنفسهم ولغيرهم فلم يكن ذلك بدعا فيهم ، والظلم أَيضًا النقص من الحق وأَيضًا وضع الشئ في غير موضعه .