{ إذاْ } بدل كل من اذ ، او متعلق ببصيرا او بتعلمون { جاءوكم من فوقِكُم } من اعلى الوادى ، ونسبة الفوتية اليهم للملابسة ، وانما الفوتية لبعض الوادى على بعض ، او يقدر من فوق واديكم ، والذين جاءوا منه غطفان ، ومن تابعهم من اهل نجد ، وبنو قريظة وبنو النضير { ومن أسفل منْكُم } مثل الذى قبله ، وذلك من قبل المغرب ، والذين جاءوا منه قريش ومن تابعهم من الاحابيش وبنى كنانة ، واهل تهامة ، وقيل من فوق بنى قريظة ، ومن اسفل قريش واسد وغطفان وسليم ، او المراد بالجهتين الاحاطة من كل جانب كقوله تعالى: { يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ارجلهم } { وإذْ } عطف على اذ { زَاغَت } مالت عن منظرها حيرة ، وعن كل شئ الا عدوها { الأبصار } العيون { وبلَغَت القُلُوب الحَنَاجر } خافوا خوفا شديدًا معبرا عنه ببلوغ الحناجر ، اذ لو تحركت عن موضعها لماتوا فيما قيل ، وقيل: القلب يندفع عند الغضب ، وعند الخوف يجتمع ، ويلتحق بالحنجرة ، فان سدها مات صاحبه اذ لا يقدر على التنفس ، وقيل: تنتفخ الرئة من شدة الفزع والغضب والغم ، فيرتفع القلب بارتفاعها الى الحنجرة ، قال قتادة: تحركت عن مكانها ، ولولا ضيق الحنجرة لدخلتها ، روى احمد ، ابى سعيد الخدرى: هل من شئ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: « نعم اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا » فهزموا بالريح والجنود كما في الآية .
{ وتظنُون بالله الظنونا } خطاب لكل من يظهر الايمان ، الظن يصلح للقليل والكثير ، لانه مصدر الا انه جمع دلالة به على الانواع المختلفة:
فمنها ظن المخلصين ان ينصرهم الله مع ذلك الهول ، كما قالوا: { هذا ما وعدنا الله } الآية على ما سيأتى .
ومنها ظن المخلصين ان يمتحنهم فلا يتحملون ، فيزلوا وذلك لا ينافى الاخلاص .
ومنها ظن المنافقين ان محمدا وأصحابه يستأصلون .
ومنها ظن المؤمنين النصر على الكفار من غير ان يكون لهم استيلاء عليهم ، اولًا .
ومنها ظن المؤمنين ان ينصر العدو عليهم ، ثم ينصروا عليه .
ومنها ظن المؤمنين ان العدو يستأصل المدينة فترجع الجاهلية ، يخطر لهم هذا عجلة عل طبيعة البشر عند الشدة مع علمهم بوعد النصر ، ولا يعاقبون لضرورة الطبع .
ومنها ظن المؤمنين النصر بدون ان ينال العدو منهم شيئا .
ومنها ظن المؤمنين النصر بعد ان ينال منهم ، او بعض ظن شيئا وبعض شيئا آخر .
والمتبادر ان الخطاب للمؤمنين وحدهم ، كما استأنف للمنافقين بقوله: { وإذ يقول } والعطف على { زاغت الابصار } او على { بلغت } الخ فمقتضى الظاهر: وظننتم ، فالمضارع لاستحضار ظنهم الماضى بمضارع الحال .
والوقف على الف الظنونا لثبوتها في الامام ، وتثبت ايضا في الوصل قلت: يجب الوقف ، ولا يجوز الوصل لانها قرئت الفا ، وكتبت كما قيل في اقتده ، ثم رأيته لأبى عبيد ، وكذا السبيلا ، والرسولا ، وحذفها ابو عمرو وصلا ووقفا ، وحذفها ابن كثير والكسائى وحفص وصلا .