{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ } أى اليهود المعاصرين للنبى A { كِتَبٌ } هو القرآن { مِّنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } هو التوراة وغيرها من كتب الله ، والأخبار المكتوبة ، ومعنى تصديقه إياها أنه نزل بحسب ما نعت فيها هو ، أعنى القرآن ، وما نعت فيها النبى A ، وما يختص ببعثته A ونحو ذلك مما لم ينسخه القرآن وليس المراد أنه موافق للكل ، والقرآن لإعجازه لا يحتاج إلى ما يصدقه { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ } قبل بعثته A { يَسْتَفْتِحُونَ } الله آى يستنصرونه { عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } مشركى العرب من الأوس والخزرج المجاورين لهم إذا نالوا منهم سوءا وغضبوا لدينهم قالوا ، اللهم انصرنا عليهم بالنبى المبعوث آخر الزمان ، الذى نجد صفته في التوراة ، ويضعون أيديهم على اسمه فينصرون ، وهو نبينا محمد A وقال لهم معاذ وبشر بن البراء ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ، فقال سلام بن مشكم ، ما جاء بشىء نعرفه ، وما هو بالذى نذكره . فنزلت الآية ، أو يستفتحون يملون ويخبرون العرب أن نبيا يبعث الآن ، نقاتلكم معه قتل عاد وإرم ، كما يقال: فتح المأموم على الإمام إذا أخبره بما توقف فيه ، وكانوا يقاتلون عطفان فتغلبهم غطفان في كل وقعة ، فكانوا يقولون ، اللهم إنا نسألك بالنبى الأمى A الذى وعدتنا أن تبعثه آخر الزمان ، انصرنا عليهم فينصرون . فلما بُعث كفروا به ، فنزلت ، وكانوا من قبل يستفتحون ، الآية ، أو يستخبرون ، هل ولد { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ } فى التوراة وغيرها عن النبى A وصفاته وعلاماته وكتابه { كَفَرُوا بِهِ } حسدا وخوفًا على زوال رياستهم وما يُعْطون ، وجواب لما الأولى يقدر كجواب الثانية تأكيدًا ، أى كفروا به ، أو تأسيسًا مدلولا عليه بجواب الثانية ، أى استهانوا ، أو ردوه ، أو امتنعوا ، أو نحو ذلك ، أو جوابها كفروا ، فتكون الثانية أعيدت لبعض الأولى ، كقوله « أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنك مخرجون » فأعاد أنكم ، وعلى هذا الوجه أقحمت ألفا للإشعار بأن ذلك عقب استفتاحهم قبل ، أو لما وما بعدها جواب للأولى ، كقوله تعالى { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى . . . } إلخ ، ويرده ، أن جواب لما لا يقرن بالفاء إلا نادرا جدا ، ولا سيما أنه فعل ماض مجرد ، لأن ما ظرف للكفر ، وكفروا ومتعلقه جواب للأولى ، وكذا لا يقبل قول بعض ، أن الجواب هو قوله { فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَفِرِينَ } إذ قرن بالفاء ، وإذ هو جملة اسميه ، الذين سبقت لهم الشقاوة أن يموتوا كافرين ، وهكذا لا يدخل في لعن الكافرين في القرآن إلا من قضى الله أن يموت كافرا ، والمراد في الآية الجنس أو الاستغراق ، فتدخل اليهود ببرهان أن الكافر ملعون ، وأولا وبالذات بمعنى أن الكلام سبق لهم ، وكذا كلما قلت أولا وبالذات ، أو المراد اليهود ، وعليه فذكر باسم الكفر لا بالضمير ، ذما وتصريحا بموجب اللعن .