{ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } حصر للقدرة على أَنواه الهلاك في الله بعد حصرها على الإِنجاز من المهالك فيه ، والعذاب من فوق كالحجارة التى نزلت على أَصحاب الفيل ، والحجارة التى نزلت على قوم لوط ، وكالطوفان على قوم نوح النازل من السماء ، والصاعقة والريح ، وكالريح النازلة على قوم هود ، والصيحة النازلة على قوم صالح وعلى قوم شعيب ، ونمرود وقومه ، والظلة لقوم نوح ، وكالخسف لقارون ، وكإغراق فرعون وقومه ببحر القلزم وهو في الأَرض ، ولا يضرُّكَوْنُ ذلك من تحتهم وعلو الماء عليهم ، وعلو الأَرض على قارون لأَن البدءَ من أَسفل ، أَو يعد العلو من فوقهم ولابدء من تحت الأَرجل ، قيل كما روى عن ابن عباس: ويجوز أَن يكون الفوقية والتحتية معقولتين غير محسوستين ، مجازًا بأَن يكون الفوقية استعلاءً أَكابرهم عليهم فيضرونهم ، والتحتية تسفل شأن عبيدهم وأَراذلهم وعامتهم فيضرونهم ، وتضر العامة أَيضًا بعضهم بعضًا ، واللبس الخلط ، وشيعًا حال ، أَو ضمن معنى التصيير فشيعًا مفعول ثان بمعنى فرق مختلفة بالأَهواء كل واحدة تتبع إِمامها ، أَو اللبس الخلط بانتشاب القتال بينهم ، والمفرد شيعة ، كسدرة وسدر ، وهو من يتقوى به الإِنسان وأَتباعه وأَنصاره وقد اجتمعوا على أَمر ، ويطلق الشيعة على المفرد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث ، ويذيق بعضكم بأْس بعض بالقتال ، والبأس الأَلم ، أَو يذيق بعضكم قتال بعض ، وسبب ذلك تفرق الأَهواء عن الحكم الشرعى فتخطىءَ الشيع ، وقد يكون بعض على الهدى وعدوه على الضلال ، وروى أَنه A قال عند قوله عذابًا من فوقكم: أَعوذ بوجك ، وعند قوله أَو من تحت أَرجلكم: أَعوذ بوجهك . وعند قوله أَو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأْس بعض: هذا أَهون وهذا أَيسر ، وفى مسلم: سأَلت ربى أَلاَّ يجعل بأْس أُمتى بينهم فمنعنيها ، أَى لم يجب دعوتى . وبدؤه من خلافة عثمان بعد مضى ست سنين منها . وقال الترمذى: وعن خباب بن الأَرت: أَطال A صلاة فقيل له: صليت صلاة لم تكن تصليها ، فقال: « أَجل إِنها صلاة رغبة ورهبة ، إِنى سأَلت ربى فيها ثلاثًا فأَعطانى اثنتين ومنعنى واحدة ، سأَلته أَلا يهلك أَمتى بالجدب فأَعطانيها ، فسأَلته أَلا يسلط عليهم عدوا من غيرها فأَعطانيها ، وسأَلته أَلا يذيق بعضهم بأْس بعض كما فعل ببنى إِسرائيل فمنعنيها » ويروى: زويت لى الأَرض ، فقيل لى عن الله: ستملك ما رأَيت ، وسأَلت ربى أَلا يستأصل أُمتى بقحط ، وأَلا يستأصلهم عدو فأَعطانيها ، وأَلا يلبسهم شيعًا ، ولا يذيق بعضهم بأس بعض . فالاثنتان الممنوعتان في رواية سأَلت ربى أَربعًا فأَعطانى اثنتين ومنعنى اثنتين اللبس شيعًا ، وإِذاقة بعض بأس بعض ، والثالثة هى كلتاهما في رواية سأَلته ثلاثًا فأَعطانى اثنتين ومنعنى الثالثة ، ووجهه أَن الإِذاقة من توابع اللبس شيعًا ، وكذا فيما يروى: سأَلت ربى أَربعًا فأَعطانى ثلاثًا ، أَلاَّ تجتمع أُمتى على ضلالة ، وأَلا يظهر عليهم عدو من سواهم ، أَى فيستأصلهم ، وأَلا يهلكهم بالقحط فأَعطانيهن ، وسأَلته أَلا يلبسهم شيعًا ، ولا يذيق بعضًا بأس بعض فمنعنيها ، ويروى أَنه قال لما نزلت الآية: أَما أَنها الأَربعة كائنة أَى بدون استئصال ، وأَحاديث عدم الكون بمعنى أَنها لا تكون باسستئصال ، فلا منافاة ولم يأْت تأويلها بعد ، وعن أَبى العالية: وقعت اثنتان بعد رسول الله A بخمس وعشرين سنة ، ألبسوا شيعًا وأذيق بعضهم بأْس بعض ، وبقيت اثنتان الخسف والمسخ ، والتأويل والماصدق الذى ترجع إليه وتفسر به تفضل الله D بتأخير المسخ والخسف إِلى قرب الساعة جدًا ، وعنه A: سأَلت الله أَلا يبعث على أمتى عذابًا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، فأعكانى ذلك ، وسأَلته أَلا يجعل بأْسهم بينهم فمنعنيها ، { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ } نكرر مع بيان { الآيَاتِ } التى تتلى أَو الدلالات بها ، وذلك في التوحيد والشرك والوعد والوعيد { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهونَ } يعلمون أَنك على الحق وأَنهم على الباطل .