{ لَيسَ عَلى الأعْمَى حَرجٌ } ضيق أو اثم في تخلفه ، وذلك نفى للوجوب كما عبر بعلى ، وان خرج الأعمى بقائد جاز ، كما غزا ابن مكتوم ، وكان أعمى ، وحضر في بعض حروب القادسية ، وكان يحمل الراية { ولا عَلى الأعْرج حَرجٌ } فى التخلف وان خرج جاز { ولا على المَريض حَرجٌ } فى التخلف ، وإن خرج جاز ، ومثل المريض المقعد وصاحب السعال الشديد ، وصاحب الطحال الكبير ، والفقير الذى لا يجد زادا أو سلاحا أو ما لا بد له منه ، أو لا يجد من يقوم بالكسب لأهله ، ومن لا يجد من يقوم بمريضه ممن لا بد له من قائم عيه ، والجواز في ذلك كله في رجاء نفع ما بلا القاء نفس في التهلكة ، فقد قال الله D: { ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة } ولا تلقوا أنفسكم .
وقدم الأعمى في العذر لأنه لا يبصر العدو ، ولا الى أين يضرب ، ولا قدرة له على الحرض بخلاف الأعرج ، فله قدرة على الحرص والنظر وغيره ، وقدم الأعرج على المريض ، لأن المريض قد يتحامل ويشفى . { ومَن يُطِع الله ورسوله } فى الأمر والنهى { ندخِله جنات تجرى من تَحتْها الأنهار ومن يتول } عن الاطاعة { نُعذُّبه عذابًا أليمًا } لا يدرك قدره غير الله سبحانه وتعالى ، والمراد بالمطيع والمتولين هنا ما يعم الخلفين والخارجين من الحديبية وغيرهم ، وفيما قبل هذا المتخلفون والخارجون فقط ، وقال: « نعذبه » ولم يقال ندخله نارا كما يناسب « ندخله جنات » على طريق الاعتناء بالعذاب ، فان التعذيب يستلزم إدخال النار ، وإدخال النار لا يستلزم التعذيب في الجملة ، فان الملائكة تدخلها كذا قيل ، وفيه أن التعذيب لا يستلزم النار لا مكانه بلا نار ، وما هنا مؤكد لما قبله ، وذكر المؤمنين الخلَّص يوم الحديبية بقوله:
{ لقَد رضىَ الله عن المؤمنين إذ يُبايعُونك تَحت الشَّجرة } هم السائرون يوم الحديبية الا جد بن قيس من بنى سلمة ، فلم يبايع لنفاقه كما مر ، استتر ببطن بعيره ، وقال جابر بن عبد الله: كأنى أنظر اليه لاصقا بابط ناقته ، مستترا من الناس ، وتسمى بيعة الرضوان ، لقوله تعالى: { لقد رضى الله } .
ما نزل رسول الله A في الحديبية ، بعث خراش ابن أمية الخزاعى بكسر الخاء ، على جمل له A ، يقول عنه A: « انه جاء للعمرة لا للقتال » فعقروا جمله ، وأرادوا قتله ، فمنعه الأحابيش ، فدعا عمر ليبعثه اليهم فقال: يا رسول الله عرفت عدواتهم لى ، ولا أحد من بنى عدى يمنعنى ، ولكن ابعث عثمان فانه محبوب فيهم ، وفيهم عشيرته ، فبعثه الى أبى سفيان وأشراف قريش ، وقال: « أخبرهم انى لم آت لقتال بل للعمرة وادعهم للاسلام »