{ وهُم يصْطَرخُون فيها } يفتعل من الصراخ ، أبدلت تاؤه طاء للصاد قبلها ، وهو شدة الصياح ، والمعنى يستغيثون بصوت هائل من جهنم الى الله D بدليل قوله تعالى: { ربَّنا أخْرجنا } منها الى الدنيا { نَعْمل صالحا غَير الَّذى كنَّا نَعْمل } هذه الجمل محكية بيصطرخ لتضمنه معنى القول ، ولا مانع من اردة اصطراخ بعض الى بعض ، مستغيثين بالله ، وأما استغاثة بعض ببعض فبعيدة ، ولو أمكنت بالتحير ، ويجوز تقدير قول معطوف ، أى ويقولون ربنا ، أو قول حال أى يقولون أو قائلين ربنا ، وصالحا مفعول لنعمل ، أى لنوقع عملا صالحا أو مفعول مطلق أى لنعمل عملا صالحا ، وغير نعت مؤكد ، فان الذى كانوا يعملون غير صالح ، أو نعت مؤسس ، أى صالحا غير الصالح الذى كان صالحا في زعمنا ، والمراد نوحدك ونؤمن بنبيك ، ونعمل بما جاء نابه ، ويجابون بعد مقدار عمر الدنيا ، وقيل بعد خمسمائة عام بقوله تعالى:
{ أو لَم نعمِّركم ما يتذكَّر فيه من تذكَّر وجاءكُم النَّذير فذقُوا فما للظالمين من نَصير } أى ثم نقول لهم ، أو فيقال لهم ، أو لم الخ أو يقدر القول بلا عطف على أنه جواب سؤال ، كأنه قيل: فبم يجابون؟ فقيل: نقول لهم ، أو يقال لهم: أو لم نعمركم وعلى طريقة الحذف يقدر: أعاجلناكم ولم نعمركم ، والهمزة للإنكار ، وما اسم واقع على التعمير أو الزمان معرفة ، أو نكرة ، أى أو لم نعمركم التعمير الذى يتذكر فيه من تذكر ، أو تعميرا يتذكر فيه الخ ، أو المقدار الذى يتذكر فيه ، أو مقدارًا يتذكر فيه الخ ، فاذا أوقعت على التعمير فمفعول مطلق ، أو على المقدار من الزمان فظرف ، أى أو لم نبقكم يه ، وذلك يحصل بالبلوغ والمراهقة قبله ، وقد فسره بعض بزمانها .
وعن الحسن: سن البلوغ ، إذ قد يتذكر قبل المراهقة ، وأما رواية البخارى والنسائى ، عن سعد بن سعد مرفوعا ، وعن ابن عباس موقوفا أنه ستون سنة ، وما روى عنه موقوفا أيضا ست وأربعون ، وما روى عن الحسن أربعون ، وقيل: سبع عشرةن وما روى عن مجاهد: ما بين العشرين الى الستين ، ويحتمل أن تلك المقادير وعظ بها أشخاص تمت لهم إلا الرواية عن مجاهد توهم رواتهن أنها الحد ، وأنه عذر من دون تلك المدد ، ولا قائل بعذره إلا الوجهين الأولين ، فانه بعذر من لم يبلغ إجماعا أو يقال يختص بهذا التعنيف من بلغ تلك المدد ، ومن لم يبلغها ودخل النار لم يعنف بذلك ، ومعنى تذكر أراد التذكر ، وجملة جاءكم النذير معطوفة على الجملة قبلها التى لفظها إنشاء ، ومعناها اخبار ، أى عمرناكم ، وجاءكم النذير ، وقد يتسلط الاستفهام على جاءكم كذا قيل ، وفيه أنه للإنكار ، وفى جاء للتقرير ، فلا تستعمل الهمزة في معنيين إلا عند مجيز استعمال الكلمة في معنيين مجازين أو حقيقين ، أو أحدهما حقيق .