{ وَلَمَّا دَخَلُوا } مصر { مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ } أَى من أَبواب متفرقة ثلاث أَو رباع ، أَو مثنى أَو أحاد ، وهو المتبادر ، وحيث بمعنى المكان وهو هنا أَربعة أَبواب مصر ، وجواب لما هو قوله { مَا كَانَ يُغْنِى عنْهُم مِّنَ اللهِ مِنْ شَىْءٍ } وقيل محذوف ، أَى امتثلوا أَو قضوا حاجة أَبيهم ، وفيه أَنه لا فائدة في هذا الجواب وهى حرف إِذ لو كانت ظرفا لم يوجد لها متعلق؛ لأَن ما النافية لها الصدر فلا يتعلق فيما بعدها ، فيجاب بأَنا لا نسلم أَن لها الصدر ، وإن كان لها صدر فالظرف الشرطى يخرفه كما قيل في إِذا ، أَو محذوف أى قصدوا الملك أو حاجة أَبيهم ، وقيل: جوابها أَى وهو أَيضًا جواب للما الثانية لأَن دخولهم على يوسف عقب دخولهم صر ، كما تقول: لما جئتنى ولما كلمتنى أجبتك ، وما بينهما معترض ، أَو الجملة حال من واو دخلوا ، وضمير كان عائد إِلى يعقوب أَو إِلى رأْيه أَو إِلى دخولهم من حيث أَمرهم أَبوهم وهو اتباعهم رأْيه ، والماصدق واحد ، والمعنى ما أَغنى عنهم في رفع العين بل رفعها الله ، ولا يقال أَنه لم يغن عنهم ذلك إِمساك أَخيهم بنيامين ، لأَنه أَمسكه يوسف لأَنا نقول: الكلام في الإِغناءِ بدفع العين خاصة بدليل الأَمر بالدخول من أَبواب إِذ لا يخفى أَن الدخول من أَبواب لا يكون سببا لدفع إِمساك بنيامين ، وأَيضا لا شعو ليعقوب بإِِمساكه حين أَمرهم بأَبواب ، وأَيضًا شىءٌ نكرة في سياق السلب تعم ، وقد وقاهم الله من إِصابة العين لأَن إِصابتها لا تختص بموت أَو ضر في البدن ، وذكر بعض؛ أَن المراد السوءُ مطلقا وخصت العين لظهورها ، وحاصل الآية أنه لا يغنى عنهم من قضاء الله شىءٌ بل الله هو الدافع لما دفع من العين ، وما أَغنى شىءٌ مما قضى الله من نسبتهم إِلى السرقة ، ومن إِمساك بنيامين ، ويجوز أَن لا ضمير في كان لما مر بل للشأْن ، والضمير في يغنى لما مر وأَن يكون شىءٌ فاعل يغنى { إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفسِ يعْقُوبَ قَضَاها } يعقوب وهى دفع العين أَشفق أَن تصيبهم ، ومعنى قضاها أَرادها ، أَو أَظهرها وأَعلم بها أَولاده كقوله تعالى: { وقضينا إِلى بنى إِسرائيل في الكتاب } والاستثناءُ منقطع ، ويجوز أَن يكون متصلا من باب قوله:
ولا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فالمعنى ما أَغنى عنهم ما وصاهم به أَبوهم إِلا شفقة ، ومن المعلوم أَن شفقة الأَب مع قدرة الله هباءٌ ، فما أَغنى عنهم شيئًا قط ، وقيل: فاعل قضى ضمير الدخول { وإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَأ علَّمْنَاهُ } بالوحى ونصب الحجج ، ولذلك لم يغتر بتدبيره ، بل فوض الأَمر إِلى الله D ، وما مصدرية أَى لتعلمنا أَو اسم أَى الذى علمناه إِياه ، وأَن العلم الحفظ والمراقبة { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ } وهم المشركون { لاَ يَعْلَمُونَ } سر القدر أَنه لا يغنى عنه الحذر ، فيقصر نظرهم على الأَسباب ، أَو لا يعلمون إِلهام الله - D - لأَوليائِه ، أَو لا يعلمون وجوب الحذر ، ورد بأَنه يأْباه تخلف المطلوب من المبادىءِ ، أَو لا يعلمون أَن يعقوب بهذه المثابة .