فهرس الكتاب

الصفحة 1376 من 6093

{ يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ } حثهم { عَلَى الْقِتَالِ } قتال الكفرة ، أَى أَزل حرضهم وهو الإِشراف على الهلاك بالقتال ، إِذ لو لم يقاتلوا لأَشرفوا عليه ، قال الله D { حتى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين } والإِزالة من معانى التفعيل كما يقال: قذَّيته أَى أَزلت قذاه ، بتشديد ذال قذيته ، { إِنْ يَكُن مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُون } بقوة وشجاعة { يَغْلِبُوا مِائَتيْنِ } من الذين كفروا الواحد بعشرة ، ذكر هنا قوله صابرون ولم يذكره في قوله { وإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِائَة } أَى صابرة ولم يذكر الذين كفروا وذكره في قوله { يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } وذلك احتباك وهو فصاحة عظيمة وهى أَن يذكر في كل من الكلمتين ما حذف من الآخر ، ولا يحل للواحد الفرار من عشرة رجال كافرين يصبر فيغلبهم ، وله الفرار من أَحد عشر ، واللفظ إِخبار والمراد أَمر ، أَى اثبت يا واحد لعشرة ، أَو إِخبار لفظا ومعنى ، أَى حكم الشرع لزوم ثبوت الواحد للعشرة ، وعلى الوجهين تكون الآية حكما ، والحكم ينسخ فينسخ كون ذلك شرعا بما بعد ، فكان الشرع أَن لا يلزم ثبوت المسلم لثلاثة من الكفار ، وإِنما الخبر الذى لا ينسخ هو مالا حكم فيه ، كما لو كان المعنى أَن الله D أَعطى المؤمن قوة عشرة من الكفار فلا وجه لنسخه إِلا على معنى أَن الله أَزال بعد ذلك تلك القوة وردها إِلى قوة رجلين من الكفار { بِأَنَّهُمْ قوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ } لأَنهم قوم لا يفقهون أَمر الدنيا والآخرة فليسوا يقاتلون لدين الله ولا رجاء لثواب الآخرة الدائم فيرغبوا ، ولا يرجون البعث فشحوا على الحياة الدنيا إِذ ليس لهم عندهم إِلا هى ونعيمها فلا يبالغون في القتال بخلاف من اعتقد السعادة في الآخرة ويقاتل رغبة في الهل D ، فتكون الآية إِخبارا بضعف المشركين فلا يخافهم المؤمنون ، واختير أَن المعنى استحقاق الكفرة للقتل لأَنهم لا يفقهون فاقهروهم بالقتل ، وهو متعلق يبغلبوا ، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة لما كثر المؤمنون ، وقيل: نسخ بعد مدة قبل كثرتهم ، وتضرعوا إِلى الله فنسخ ، واختار مكى أَن ذلك تخفيف لا نسخ ، وهو رجل أندلسى جاور مكة فنسب إِليها ، وعلى النسخ إِن قاتل واحد عشرة فقتل فلا إِثم عليه لأَنه نسخ الوجوب ، وعلى أَنه تخفيف غير نسخ يأثم ، كذا قيل . قلت: لا إِثم لأَنه خفف له عن الوجوب ولم يحرم عليه مقابلتها ، فإِنه إِذا ترك الوجوب بقى الجواز بقوله: { الآنَ خَفَّفَ اللُ عَنْكُمْ وَعلِمَ } لعلم الله تعلق بالشئِ بلا أَول ، قبل وجوده وحال وجوده وبعد عدمه { أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } حادثا لاعتماد كل على الآخر ، فالضعف قلبى ، وقيل ضعفا في الأَبدان ، وقيل ضعف البصيرة ، إِذ حدث قوم في الإِسلام ولم يحسنوه ، وقيل ضعف في رأى الحرب ، ولم يكن الضعف من قبل فلا يتصف بأَنه علم أَنه موجود بل علم أَنه سيوجد { فَإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِّائةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } الواحد باثنين ويجوز له الفرار لثلاثة وإِن زال سلاحه فر ولو لواحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت