{ وأدْخِل يدك في جَيْبك } مخرج الرأس والعنق من الجبة والقميص ، وتسمية ما يخاط الى ذلك جيبا مجاز مرسل لعلاقة الجواز لمعتبرها وحقيقة عرفيه عامة لمن لم يقصدها ، وليس عربيًا إلا من حيث إن المجاز مقيس ، وكان موسى إذ ذاك لابسًا جبة لا أزرار لها ، رواه ابن عباس رضى الله عنهما ، كما كان رسول الله A مطلق القميص لا زر له ، ولو كانت جبة موسى مزررة لم تدخل يده إلا بعد حلها ، ولجبته وقيمصه تارة ازرار لا يضمها ، وكان يأمر بضمها على الصدر ، ورأى عثمان بن عفان محلول الأزرار فضمها بيده الشريفة وقال: « اجمع عطفى ردائك على نحرك » وكان A يأمر بزر الأزرار ، ونهى ان يصلى الرجل وصدره باد ، أمر الله D موسى عليه السلام أن يدخل يده اليمنى في جيبه ، ويجعلها تحت إبطه الأيسر ، وهو قادر أن يجعلها بيضاء بلا إدخال للامتحان ، وليكون موسى عليه السلام كالمتصرف بالمعجزة ، والمكتسب لها بغن الله ، وليس متصرفًا ، ولما كان إدخال اليد لا يستمر عادة ، بل لا بد أن تخرج أجاب الأمر بقوله:
{ تَخْرُج بَيْضاء } والخروج ولابد منه ، لكنها تخرج بيضاء ، ويجوز أن يقدر وأخرجها تخرج ، وأما ان يقدر أدخل يدك في جيبك تدخل ، وأخرجها تخرج بيضاء ، ويكون من الاحتباك ، وهو أن تحذف في كل ما ذكر في الآخر ، فتكلف بارد بتقدير تدخل { من غَيْر سوءٍ } كبرص وفساد وضعف { في تسع آيات } حال كون اليد معدودة مع جملة التسع ، أو اذهب في تسع آيات ، ويدل له ، ولما جائتهم آياتنا: الفلق والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم والطمسة ، وهى جعل نقودهم حجارة ، والجدب في بواديهم ، والنقصان في مزارعهم ، ومن عد العصا واليد من التسع عد الجذب والنقصان واحدة ، ووجه عد الفلق أن فرعون وقومه شاهدوه ، وهو أيضًا آية لمن آمن من قومه ، ولمن تخلف منهم ، ولم يؤمن ومن لم يعده ، اعتبر أنه لم يبعث به الى فرعون احتجاجًا ، بل هو انتقام منه آخر أمره ، وإن شئت فالجذب والطمسة والنقصان واحدة لاتحادهن مآلا ، والثانية العصا ، والرابعة اليد ، والباقى الفلق والجراد والقمل والضفادع والدم .
{ الى فرعَوْن وقوْمِه } أى موجهات أو مرسلات الى فرعون ، أو مبعوثًا او مرسلًا ، وهذا المقدر حال من ضمير أدْخل ، وذلك كون خاص ، أو يعلق باذهب المقدر حال من ضمير أدْخل ، وذلك كون خاص ، أو يعلق باذهب المقدر لفى تسع ، او يقدر له إن لم يقدر لفى تسع { إنَّهُم كانُوا قومًا فاسقينَ } تعليل لا استئناف بيانى ، خارجين عن دين الله ، وهذا معتبر ، سواء استشعر السامع أنه بعث إليهم يوسف قبل موسى عصوه ، أو لم يستشعر .