{ قد } لتحقيق الإفلاح الذى يتوقعه المؤمنون { أفلح } دخل في الفلاح ، كأصبح دخل في الصباح ، وأبشر دخل بالبشارة ، والفلاح الفوز بالمقصود ، وقيل البقاء في الخير ، ومن الخطأ البين تقديم القسم ، مع أنه لا دليل عليه ولا محوج إليه يحوجنا { المؤمنون } بالله ورسوله ، وما جاء به بشرط أن يأتوا بما في قوله:
{ الَّذين هُم في صلاتهم خاشعُونَ } إلى قوله: { يحافظون } وما يتبع ذلك ، أو المؤمنون الموفون بذلك كله وزيادة ، فقوله: { الذين هم } الخ مدح لهم ، وهو أولى لأن الأصل اطلاق المؤمن على تاملوفى ، والخشوع التذلل مع خوف ويزاد في الصلاة إذا فسر خشوعها بترك اشتغال القلب والجوارح بغيرها ، ولو بأمر الآخرة ، وتنكيس الرأس أفضل للخضوع ، أو إقامته أفضل ، لأنها إكمال للقيام ، وهو أصح مع ضم خشوع القلب إليها ، وعن أبى هريرة أن رسول الله A رأى مصليا يعبث بلحيته فقال: « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » وكان A يرفع بصره إلى السماء في الصلاة ، فأنزل الله D: { الذين هم في صلاتهم خاشعون } فكان ينكس رأسه فاستدل به على فضل النكس ، وأجيب بأن النكس في الحديث ترك الرفع إلى السماء ، ولو مع استواء القامة .
وجاء عنه A: « لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو لتخطفنَّ » فقيل هذا شامل للأعمى ، ولا شك أنه لا يجوز له ، كما لا يجوز للمبصر ، وفى الأثر: « من رأى السماء عمدا فسدت صلاته ومن غمض عينيه عمدًا بلا ضرورة فسدت صلاته » وجاء النهى عنه من طريق ضعيف ، واليهود تفعله ، واستحب بعض قومنا ، لآنه يخضر القلب قالت أم رومان ، وادة عائشة رضى الله عنها: رآنى أبو بكر أتميل في الصلاة ، فزجرنى حتى كدت أنصرف عنها ، وقال: سمعته A يقول: « يتميلن أحدكم في الصلاة وليسكن » وفى الحديث: « الاختصار في الصلاة أى وضع اليد على الخاصرة راحة أهل النار » ، أى راحة في الصلاة لأهل النار في الآخرة ، وهم اليهود ، إذ لا راحة فيها ، وقدم في صلاتهم الفاصلة ، وليلى الإيمان كما أطلق الإيمان عليها في: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ويحوز أن يكون التقديم في مثل هذا للاعتناء بالمقدم والتشويق للمؤخر لا للحصر ، لأنه هنا بمعنى خاشعون في صلاتهم لا في غيرها ، وليس هذا مراد ، أو ليس المعنى في الحصر في صلاتهم لا في بعضها ، لأنه لم يقل في صلاتهم كلها ، وعلى إرادته يحصل هذا المعنى ، ولو مع التأخير ، وعن عبادة بن الصامت موقوفًا: « يوشك أن تدخل المسجد ولا ترى فيه خاشعًا » وعن حذيفة موقوفًا: « أو ما تفقدون من دينكم الخشوع ، وآخر ما تفقدون الصلاة وتنتفض عرا الإسلام عروة عروة » ويقال الصلاة بلا خشوع جسد بلا روح .