{ فإنْ أعْرضُوا } عما تقول { فَما أرسلناك علَيْهم } أى فلا تهتم بهم ، لأنا ما أرسلناك عليهم { حفيظا } رقيبا تحاسبهم { إنْ عَليْك إلا البلاغ } حصول البلاغ وقد حصل ، أو اسم مصدر أى التبليغ وقد بلغت ، ولا يعطف بعد إلا بلا ، لا تقول إلا البلاغ لا الحفظ ، ويجوز بعد إنما مثل إنما عليك البلاغ لا الحفظ { وإنَّا إنا أذَقْنا الانسان } الجنس { منَّا رحْمةً } كسمة رزق وصحة وجاه وعافية { فرح } فرح بطر ، كقوله تعالى: { إن الله لا يحب الفرحين } أو مطلق فرح ، وأما الفرح للطاعة بلا عجب بل شكرًا فمحمود ، ففى الحديث: « المؤمن إذا أحسن استبشر وإذا أساء حزن » ومجرد الفرح للدنيا لا يحسن ، وأفرد مراعاة للفظ الانسان { بها وان تُصِبْهُم } جمع مراعاة لمعناه { سيئة } ضد الرحمة { بما قدَّمت أيْديهم } من المعاصى ، وإذا ذموا على ذلك الجزع ، فأولى أن يذموا لو اصابتهم لا بسبب كسبهم كذا قيل .
وفيه أن جزعهم باصابتها لأجل السيئة أسهل لبادىء الرأى من جزعهم بها اذا أصابتهم بلا سيئة ، لأنهم يقولون: أصابتنا مع أنا لم نعمل سيئة توجبها { فإنَّ الإنسان } المذكور فأل للعهد ، قيل أو للجنس استقلالا لا اعتمادا على العهد { كَفُورٌ } بليغ الكفر كقوله تعالى: { لظُلوم كفَّار } وقوله تعالى: { إن الانسان لربه لكنود } والجملة جواب إن ، لأقامة العلة مقام المعلول ، أى فانه معاقب على جزعه بها ، وكفره الرحمة التى أصابته ، ولا يخلو منها ينساها ويستحضر السيئة ، يغتاظ بها كأنه لم يتأهل لها ، وكأنه ظلم بها ، وعبر بأن في السيئة لقلتها بالنسبة الى الرحمة جدًا ، حتى كأنها مشكوك في وقعها ، تعالى الله ، وناسب ذلك ذكر تسببهم لها حتى كأنها شىء خارج عن الأصل ، بخلاف الرحمة ، فعبر فيها باذا المعبر بها في مقامات التحقق ، وبنون العظمة ايذانا بأنها مرادة بالذات محققة كثيرة ، ألا ترى أنها سبقت غضبه ، سبحان الله الرحمن الرحيم .