{ لنُحيىَ بهِ بلدةً } أرضًا { ميتًا } أى ميتة ، وذكر لأنه أصله فعيل شبيه بمصدر السير والصوت ، هكذا مويت بكسر الواو وإسكان الياء ، قلبت الواو ياء وفتحت الياء فأدغمت فيها الياء بعد حذف كسرتها ، وذلك تخفيف او ذكر لأنه صفة مبالغة ، لا تشبه حركتها حركة الفعل ، كما تشبه حركة اسم الفاعل حركة الفعل ، ولمعنى البلد فان البلدة البلد شبه الله الأرض فيه النبات بالحيوان في النمو والنفع ، ورمز اليه بيحيى ، وشبه الانبات بالاحياء على الاستعارة ، واشتق منه يحيى ، وشبه عدم نباتها بعدم الروح كذلك .
{ ونُسْقِه ممَّا خَلقْنا } من تبعيضية أو بيانة متعلقة بمحذوف حال من إنعامًا وأناسىَّ في قوله: { أنعامًا وأناسىَّ } إما أن يراد بالأنعام الحيوانات كلها مجازًا لعلاقة الاطلاق والتقييد ، وبالأناسى أهل القرى وأهل البدو ، وكل ما في العيون والآبار أصله من السماء ، كما في سورة الحجر والحديث ، أو يراد بالأنعام الثمانية وبالاناسى أهل البدو ، والمراد ما بقى من ماء المطر في الأدوية والحياض والبرك ، والبعض البدو آبار أيضًا ، ويرجح هذا تنكر أنعام وأناسى ، وعبارة بعض أنه نكر الأنعام والآناسى ووصفها بالكثرة ، لأن أكثر الناس مقيمون بالقرب من الماء ، وتنكير البلدة لارادة بعض هؤلاء البعيدين من الماء ، وأما أقل القرى فماؤهم من عيون عندها لهم ولدوابهم ، وأما سائر الدواب في البدو فلا يعوزها الماء إذ أقدرها الله على طلبه ولو بعد ، وجبلها على عدم شدة الاحتياج اليه .
وقدم سقى الأرض والأنعام لأن معاش الناس بهما ، ولأن وجود سقيهما وجود لسقيهم ، وخص الأنعام من سائر الحيوان لكثرة منافعها ، وأناسى جمع إنسان أصله اناسين ، قلبت النون ياء ، وأدغمت فيها الياء ، وقيل جمع إنسى ، وهو أولى لعدم القلب ، إلا أن الأكثر في جمع النسب أفاعله كما ينسب الى باهلى بقولك أباهلة ، وأزرقى وأزراقة ، وأباضى وأباضية { كثيرًا } نعت به الجمع لأنه بوزن المصدر .