{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَواْ } يتصرفون بمعاملة الربا ولو لم يأكلوه في بطونهم ولو بمجرد قبضه ، أو الإعطاء منه أو لبسه ، أو ذكر الأكل لأنه الغالب ، والصحيح الكفر بمجرد عقده ، ولم لم يقبض ، وإن كانت الآية في متسحله كما قالوا ، إنما البيعُ مثل الربا . . . الخ ، والكافر مخاطب بالفروع ولو كانت أيضًا في التصرف فيه ، أو يأكله في البطن كما يناسبه قوله { لاَ يَقُومُونَ } من قبورهم { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ } يصرعه { الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِّ } أى الجنون ، ويقال ، مس أى جن ، وأصله المس باليد ، وقد يمس الشيطان الإنسان وأعضاؤه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون ، وقد يحصل جنون بلا مس كما إذا فسد الجسد بلا عروض أجنبى ، ومس بلا جنون كما إذا قوى المزاج ، وذلك لأن بطنه كالبيت لما فيه من الربا في الدنيا ، أو يحضره الله في بطنه يوم القيامة ، فكلما قام صرع يميل به بطنه كالذى يصرعه الشيطان من المس ، أى من الجنون ، متعلق بيتخبط ولا حاجة إلى تعليقه بلا بيقوم أو بيقوم ، ودعوى أن المعنى ، لا يقومون من أجل الجنون ، ويحمل غير المستحل للربا الفاعل له على المستحل ، ولا مانع من أن المراد بالأكل مطلق التصرف فيه بعقد أو بقبض ، أو إعطاء بلا منافاة لصرعه به ، لأن بطنه سبب في الجملة لعقده ، وما بعده ولو لم يأكله ، والربا بيع شىء من الجنس بشىء منه أكثر ، وهو الغالب ، وبه سمى ، لأن الربا الزيادة ، أو بأنقص مثل أن تعطى دينارا على أن تأخذ نصف دينار ، أو بمساو ، ما لم يكن فرضا ، كان آجلا ، أو عاجلا ، وشهر أحاديث المنع بالزيادة ولو نقدا ، والحق أن الشيطان يدخل في بدن الإنسان أو يمسه ويتخيل له فيذهب عليه أو ينقص ، ففى الحديث ، « ما من مولود إلا يمسه الشيطان فيصرخ إلا ابن مريم عليه السلام ، فطعن الشيطان في الحجاب » ، وفى رواية ، إلا طعن الشيطان في خاصرته ، ومن ذلك يستهل صارخا إلا مريم وابنها ، لقول أمها: إنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ، وقال A: « كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين » ، ومن أنكر الجنون فقد جن ، وأما قوله: ما كان لى عليكم من سلطان ، فإنما هو في القهر إلى متابعته لا في الإيذاء والتخييل ، فقد يدخل في الإنسان فيعمل بجوارح الإنسان ما يعمل الإنسان بها ، وقد يفسد المزاج فيفسد العقل بلا جنون { ذَلِكَ } أى قياسهم كالمتخبط ، وهو عقاب { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ } كما تبيع بدرهمين ما يساوى درهما ، وتبيع بالربا درهما بدرهمين ، فهما سواء في الجواز ، والأصل المشبه به الربا ، والفرع المشبه البيع ، لأن المراد التجر بالريح ، وهو في الربا أوضح ولازم ، بخلاف البيع فالربح فيه غير متحقق ، بل ربما أدى إلى خسران ، وذلك تشبيه ، صحيح على ظاهره ، ويحتمل أن يريدوا تشبيه الربا بالبيع فعكسوا مبالغة { وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرَِّبَواْ } هذا من كلام الله تعالى ، قالوا: إنما البيع مثل الربا ، والحال أن الله أحل البيع وحرم الربا ، وأخطأوا في إباحته ، قيل لأن أخذ الدرهم بدرهمين ضائع ، وأخذ السلعة بدرهمين مع أنها تساوى درهما مجبور بمسيس الحاجة إلى السلعة ، أو بتوقع رواجها ، وليست هذه العلة صحيحة لأن أخذ درهم بدرهمين مجبور باستحقاقه الدرهم في الحين وإمهاله إلى أن يجد الدرهمين ، ولا يكفى ما يقال في الجواب عن هذا من أن الإهمال أو الاستحقاق ليس مالا ، أو شيئا يشار إليه حتى يجعل عوضًا عن الزيادة ومن أنه أخذ الزيادة في الربا بلا عوض ، وعندى أنه لا تدرك علة تحريم الربا ، بل نؤمن بتحريمه فقط ، سواء كان الربا من أول أو كان من آخر ، بأن يبيع له شيئًا فيعجز عن الأداء في الأجل ، فيقول: أنظرنى وأزيدك ، وقيل: قد نزلت الآية في أنظرنى وأزيدك ، وقولهم كلما جاءت الزيادة من أول جازت آخرا ، وقيل هذا من كلامهم قد حافى تحريم الربا ، قالوا للمسليمن ، إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا في زعمكم ، لا يقول الله بهذا مع أنهما سواء متماثلان { فَمَن جَآءَهُ } الأصل في فعل المؤنث المجازى التأنيث الظاهر أن يؤنث ، وجاز ألا يؤنث مطلقا ، وترجح هنا عدم التأنيث للفصل ، وكون الموعظة بمعنى الوعظ { مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ } زجر وتخويف وتذكير العواقب عن الربا لا حث وترغيب بدليل قوله { فَانْتَهَى } عن الربا والتصرف فيه وعقده { فَلَهُ مَا سَلَفَ } من الربا قبل النهى ، لا يعاقب ولا يرده ، ولا يؤخذ به في الآخرة { وَأَمْرُهُ } أى أمر من جاءته الموعظة ، فانتهى { إِلَى اللهِ } يثيبه على انتهائه قبولا للموعظة ، وهذا أولى من أن يقال ، أمر ما سلف ، أو أمر هذا المنتهى إلى الله في العفو ، لأنه يغنى عنه قوله D: فله ما سلف ، كذا قيل ، وقيل: إن قائله يقول: العفو عن الرد لا العفو في الآخرة ومن أن يقال: أمره إلى الله ، أيعصمه بعد من فعل الربا أم لا ، ومن أن يقال: أمر الربا في التحريم إلى الله لا إلى القياس ، لأن الأقرب أحق بالضمير إلا لداع بين ، ولو كان أنسب بقوله { وَمَنْ عَادَ } إلى تحليل الربا تشبيهًا بالبيع ، أو إلى فعله أو قبوله أو تصرف فيه { فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ } ومن العجب مسارعتهم إلى جواز كون من موصولة هنا وفى الذى قبل ونحوه ، وجعل الفاء زائدة في الخبر ، وإنما تجعل موصولة لو نزلت الآية في معين ، وكان المقام لمناسبة تعيينه ، وأصحاب الكبائر من أهل التوحيد مخلدون لكن من دلائل أخرى ، لا من هذه الآية ، لأنها في مستحل الربا ، والمعاملة فيه ، ولو احتمل أن قوله فمن جاءه .