فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 6093

{ إن يَنصُرْكُمُ اللهُ } على عدوكم ، كما ببدر وأول حرب أحد { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإن يَخْذُلَّكُمْ } كما في آخر أحد { فَمَن ذَا الَِّى يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ } من بعد الله ، أو من بعد الخذلان ، وهذا تحريض على الطاعة المقتضية للنصر وتحذير من العصية المقتضية للخذلان ، والاستفهام لنفى الناصر ، وهو بصورة الاستفهام ، إذ كان بصورة الحجة أبلغ من النفى الصريح { وَعَلَى اللهِ } لا على غيره يتوكل العاقل ، إذ لا ناصر سواه ، وعطف على هذا المقدر بالفاء في قوله { فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } عليه ، وعمومًا ، أو المراد بالمؤمنين هؤلاء ، ويدخل غيرهم ، أو الفاء صلة ، وعلى يتعلق بما بعد الفاء ، ولما حث على الجهاد أتبعه بذكر ما يتعلق به ، وهو الغلول الذى هو أخذ الشىء من الغنيمة خيانة ، فقال: { وَمَا كَأنَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } أى لا يليق لنبى أن ينسبه أحد إلى الغلول ، فمن نسبه إليه فقد جفاه وعصى الله ، وحاصل ذلك نهى عن نسبته إليه ، ومن معانى أفعل وجود شىء على وصف كذا ، كأحمدته وجدته محمودًا ، أو أبخلته بمعنى وجدته بخيلا ، أى لا يليق لنبى أن يوجد غالا ، وهو لا يوجد غالا ، إلا إن غل وه ولا يغل ، فلا يوصف بوجوده غالا ، فمن وصفه به فقد جفا ، وعصى ، فذلك براءة لرسول الله A من قول بعض المنافقين في قطيفة حمراء فقدت من الغنيمة في بدر ، لعل رسول الله A أخذها ، ومن قول أه لامركز يوم أُحد حين تركوا المركز نخشى أن يقول رسول الله A من أخذ شيًا فهو له ، فلا يكون لنا شىء ، فسمى اله عدم القسم لأهل المركز غلولا ، فنزه رسول الله A عنه ، لأنهم كالضاربين بالسيوف في غير الركز ، وهم في قتال واحد ، ورامون أيضًا ، وروى أنهم لماتركوا المركز قال لهم رسول الله A ظننتم أن أنفل فلا أقسم ، فنزلت الآية ، وقيل: بعث طلائع جيش لنظروا أين العدو وما حاله ، فغنموا بعد ذهاب الطلائع ، فقسمها على من معه ولم يعط الطلائع ، فنزلت الآية نهيًا عن مثل ذلك ، لأن الطلائع في حكم الحاضرين ، لأنهم في شأن الجهاد ، وسمى الله هذا القسم غلولا تغلظا ، وهذه التسمية تغليظ بنى عليه تغليظ آخر ، وهو ، ما كان لنبى أن يغل ، وقيل المعنى ، ما كان لنبى أن يغله أحد ، أى يسرق من غنيمته ، ومثله في ذلك غيره ، سمى الأخذ من الغنيمة غلولا ، لأنه يؤخذ منها خفية ، وأصل الغلول الأخذ خفية ، ولأن السرقة من شأنها أن يربط يد صاحبها بالغل وهو الجامعة من الحديد ، ولأنه في الخفاء ، كغلل الماء في خلال الشجر { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ } بعينه وبإثمه ، ففى البخارى ومسلم عن أبى هريرة قام فينا رسول الله A ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: لا ألفين ، وروى لا ألفين بالفاء ، وكذا فيما بعده ، أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله ، أغثنى ، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا ، قد أبلغتك ، لا ألقين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ، أى صوت طلب العلف دون الصهيل ، فيقول: يا رسول الله أغثنى ، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا ، قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة وعلى رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثنى ، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع أى ثياب تخفق لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت ، أى ذهب وفضة ، فيقول: يا رسول الله ، أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك ، ويورى بعد البعير ، أو بعد الفرس ، مثل ذلك في البقرة لها خوار ، وأعم من ذلك ، رواية من بعثناه على عمل فعل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه ، فالإتيان بذلك على ظاهره ، ويقرب إليه ما روى ابن مردوية والبيهقى عن بريدة ، أنه يربط ما غل بحجر يزن سبع خلفات ، ويلقى في النار ، ويكلف الغلل أن يأتى به من النار ، وقد هوى فيها سبعين خريفا ، وقيل المراد في الآية الإتيان بإثمه ، وقيل يصور عمله في الغلول بصورة جسم ، والظاهر الأول ، فقيل لأبى هريرة ، كيف يأتى بمائتى بعير أو مائة بعير؟ فقال: يقدر ، لأن ضرسه كأحد وفخذه كورقان ، وساقه كبيضاء ، ومجلسه ما بين الربدة والمدينة ، وعنه A: هدايا الولاة غلول { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أى جزاء ما كسبت من خير أو شر ، وغلول وغيره ، أو سمى الجزاء باسم سببه ، او باسم ملزومه ، فهذا لعمومه كالبرهان لخصوص الغلول وتأكيد لشأنه ، إذ كان الجزاء علت أقل شىء ، فكيف الغلول ، وقيل المراد الغلول ، وإن مابين بعثه ما غل وإدخاله النار مدة طويلة ، ثم للتراخى في الزمان ويجوز أن تكون للتراخى في الرتبة ، بمعنى أنه يبعث مفتضحًا بما غل ، تعذيبًا له به بافتضاحه وعذابه في النار أشد عليه من ذلك { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب أو زيادة عقاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت