ومما يناسب الخفاء حذف حرف النداء في قوله: { قالَ رَبّ } وهذا جملة مستأنفة جواب لقائِل ما نداءه الخفى ، أَو مفسرة لنادى ربه نداء خفيًا { إِنى وَهَنَ } ضعف { الْعَظْمُ مِنِّى } أَفرد لإرادة الجنس ، فشمل عظامه كلها ، لأن كل فرد منها يصدق عليه أَنه عظم ، والعظم دعائم البدن ، فإِذا ضعف ضعف البدن ، فيجوز أَن يجوز ضعفه كناية عن ضعف البدن ، وعن قتادة: العظم السن ، ووهنها سقوطها ، ولا دليل له على هذا التخصيص ، ولو كان له وجه ، وهو أَن ذلك من شأن كبار السن ، وأن من شأنه ضعف البدن لانتفاء أكله ما يؤكل بالأسنان ، وأيضا سقوط الأسنان ليس وهن لها ، بل انتفاؤها من الفم ، ولو كان سقوطها لسبب الوهن ، ولم يقل: ومن عظمى ، مع أنه أقل حروفا لعدم التفصيل بعد الاجمال فيه ، بخلاف ما إِذا قال وهن العظم ، وقال بعده: « منى » بالتفصيل ، ولأن العظم أدل على الجنسية من عظمى ، ولا يخفى ما في كمال الرغبة إِذ نادى المنعم عليه المربى ، وأدخل أن وقال منى ، ونسب الوهن للعظم الموجب وهنه ، وهن باقى البدن ، وزاد بذكر المشيب ، وما بهذه إلى رضيا .
{ وَاشْتَعَلَ الرأْسُ شَيْبًا } تمييز محول عن الفاعل بمعنى انتشر شيب الرأس ، ولا حاجة إلى دعوى أن شيبًا مفعول مطلق ، وإن اشتمل بمعنى شاب ، شبه الشيب بشواظ النار لجامع عدم السواد فيها ، وثبوت بعض بياض فيها ، وشبه انتشاره في الشعر باشتعالها لجامع التنقل ، ففى اشتمل استعارة تصريحية تبعية ، وفى الشيب مكنية ، والتحقيق جواز انفكاك المكنية عن التخييلية ، كما بينته في شرحى على شرح عصام الدين ، وبيان البيان ، وفائدة بناء الكلام على التمييز إفادة العموم ، إذ لو قيل: اشتعل شيب الرأس لم يعد العموم ، مع أنه مراد ، كما إِذا قلت: اشتعل البيت نارًا ، أفاد العموم تصرحيًا ، وإذا قتل: اشتعل نار البيت لم يفده ولو أريد بالنية .
{ ولم أَكُن بدُعائك } بطلبى لك أن تفعل لى كذا { ربِّ شقيًا } تعبًا بلا فائدة فيما مضى من عمرى ، فأحسن إلى بالولد ، كما أحسنت إلى في ما مضى بالإِجابة ، ولا سيما أنى الآن أشد احتياجًا منى فيما مضى وهذا كما سأل سائل معاوية ، أو معن بن زائدة ، أو حاتما الطائى فقال: بم تتوسل إلىَّ؟ فقال: بإِعطائك إِياى وقت كذا ، فقال مرحبًا بمن توسل بنا إِلينا ، فأعطاه وكما ذكر لفظى الربوبية المشعر بتقدم إنعام سابق وإفاضة ما فيه صلاح المربوب ، مع الإِفاضة إلى المربوب ، وذلك أولى من أن يكون المعنى لم أكن بدعائك إياى إلى الطاعة شقيًا بتركها ، أو مفسدًا لها بالرياء ، بل عبدتك مخلصًا ، إِذ ليس فيه تصريح بالرغبة ، ولو تضمنها بذكر موجب القرب ، وهو الدعاء إلى الطاعة . وذكر الربوبية .
روى أن موسى عليه السلام قال: يا رب ، فقال الله جل جلاله: لبيك يا موسى ، فقال موسى: أهذا إلى خاصة؟ فقال الله تبارك وتعالى: لا ، ولكن لكل من يدعونى بالربوبية ، وروى أن العبد إذا قال: يا رب قال الله: لبيك يا عبدى .