{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } من عبد العجل من الرجال والنساء ، فإن لفظ قوم يستعمل عامًّا للنساء مع الرجال ، تبعًا على المشهور ، ولو كان لا يستعمل فيهن وحدهن لأنهم القائمون بهن ، الرجال قوامون على النساء ، وقيل يجوز إطلاق القوم عليهن حقيقة أو مع الرجال كذلك { يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ } إلَهًا { فَتُوبُوا } من عبادة العجل ، وتسميته إلَها ، والدعاء إليه ، والرضى بتصويره ، مع أنه لا يقدر على فعل شىء ، فضلا عن أن يكون خالقًا { إِلَى بَارِئِكُمْ } خالقكم برءاء من التفاوت ، كيد في عياة القصر والرقة ، وأخرى طويلة غليظة أو يد سوداء ، ووجه أبيض ، وهو أخص من الخلق ومخرجكم من العدم والخلق النقل من حال الأحرى والتقدير { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ليس هذا من التوبة ، تفسير إلها بل هى في قوله توبوا ، وهذا عقاب تصح به توبتهم ، وتقبل كمن فعل ذنبًا مما بينه وبين الله فاستقبحه ، وندم ، وعزم على عدم العود ، وأمر بكفارة ، فالتحقيق أن الكفارة ليست من حد التوبة ولو كانت قد تؤخذ في تعريفها بخلاف رد المظلمة فمن حدها . ومعنى اقتلوا أنفسكم ، ليقتل بعضكم بعضًا أنفسكم ، أو نزلهم منزلة شىء واحد ، وذلك أنهم لم يؤمر كل واحد أن يقتل نفسه بل أمر من لم يعبد العجل ، وهم اثنا عشر ألفا أن يقتل من عبده ، والقاتل والمقتول كنفس واحدة ، نسبا ودينًا ، والخطاب لمن يعبده في اقتلوا ، أو اقتلوا يا عابدى العجل ، بعضكم بعضًا ، أو أسلموا أنفسكم للقتل ، فالخطاب للعابدين ، قالوا: نصبر للقتل طاعة الله ليقبل تربتنا ، وعلى أن القاتلين من لم يعبد العجل ، فالعابدون جلسوا محبتين ، وقال هلم موسى من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله ، أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردود التوبة ، فأخرجت الخناجر والسيوف ، وأقبلوا عليهم للقتل فكان الرجل يرى أباه وابنه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له ولا يمكنه أن يقتله ، فقالوا يا موسى: كيف نفعل ، فأرسل الله عليهم سحابة سوداء تغشى الأرض كالدخان لئلا يعرف القاتل المقتول ، فشرعوا يقتلون من الغداة إلى العشى ، حتى قتلوا سبعين ألفا ، واشتد الكرب ، فبكى موسى وهارون تضرعًا إلى الله ، فانكشفت السحابة وسقطت الشفار من أيديهم ، ونزلت التوبة ، فأوحى الله إلى موسى ، أما يرضيكم أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ، فكان من قتل منهم شهيدًا ، ومن بقى منهم مغفورًا له خطيئته من غير قتل ، وذلك حكمة من الله D ، وله أن يفعل ما يشاء ، أبدلهم عن الحياة الدنيا حياة سرمدية بهيجة ، وقيل التقل إذلال النفوس بالطاعة وترك المعصية { ذَلِكُمْ } أى القتل { خَيْرٌ } منفعة أو اسم تفضيل خارج عنه ، وإن لم يخرج فباعتبار لذة المعصية في النفوس ، أو من باب العسل أحلى من الخل { لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ } الخطاب للذين لم يعبدوا العجل ، والذين عبدوه ، أذعن العابدون للقتل ، وامتثل غير العابدين قتل العابدين ، مع أنهم من نسبهم وقرابتهم وأصدقائهم وأصهارهم ، وجيرانهم ، وكرر لفظ بارىء ولم يقل خير لكم عنده .