{ قال علمها عند ربى } إنما علمنى ربى التوحيد والدعاء إليه ، وإلى عبادته ، ولا علم له بأحوال الماضين ، لأن ذلك قبل نزول التوراة ، فإنما نزلت بعد هلاك فرعون ، وإن كان موسى قد علم منها شيئا كما قال مؤمن آل فرعون ، { يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } الخ فمراد موسى لا علم لى بها كلها أو باكثرها أو كثير منها أو لا علم لى بتفصيلها ، أو ما علمه مؤمن آل فرعون يعلمه من موسى ، وقيل: { فما بال } الخ متعلق بقوله: { والسلام } الخ أى فهل عذبت القرون الأولى المكذبة ، وقيل: السؤال عن البعث ، وما في علمها للقيامة ، وهو قول لا يلتفت إليه ، وقيل: متعلق بقوله: { أعطى كل شىء خلقه } فإنه يتضمن أنه تعالى عالم بأحوال الخلق ، استبتعد أن يكون الله عالما بأحوال الخلق كلهم ، مع كثرة القرون الأولى ، وانتشارهم ، ولعله خص القرون الأولى من بين الكائنا لعلمه ببعض أخبارهم ، وقيل: متعلق بقوله: { هدى } أى ما بال القرون الأولى لم يهتدوا لهذا الهدى ، وكفروا ، وجواب موسى بأن العلم عند الله D يأتى على كل سؤال .
{ في كتاب } هو اللوح المحفوظ أو الدفتر ، كناية عن أنه محفوظ كما يحفظ الشىء المعتنى به ، لئلا ينسى ، ويلوح إليه بقوله: { لا يضِل ربِّى } لا يخطأ ، وقيل لا يضل عما أراد { ولا يَنْسى } فيجازيكم على أعمالكم كلها ، والمكتوب حروف لا علمه تعالى ، لكن الحروف تتضمن كلامًا ، والكلام يتضمن أنه عالم D ، والجملتان دفع لأن يحتاج الله الى كتابة أو أن يعجز ، وإنما كتب لحكمة تعليم الملائكة ، ومقابلة الفاعل بما فعل ، والضلال الخطأ باثبات ما لا يكون ، أو نفى ما يكون ، وإذا فسر الكتابة بالكتابة المذكورة ، فالجملتان تذييل لتأكيد الجملة السابقة ، وهما على العموم لا يخطأ في شىء ما ، ولا ينسى شيئا ما ، فدخل فيهما أحوال القرون الماضية ، والبعث ووقته ، والمطيع والعاصى ، وجزاءهما في الدنيا والآخرة ، وكا كسبا ، وسعادة السعيد ، وشقاوة الشقى ، فيقدر معمولاهما عامين ، وللعموم حذف أولا يقدر لهما ، بل المراد قطع الضلال والنسيان ، هكذا البتة من أصلهما ، وكتابة العلم وما يحتاج إليه أمر مجمع عليه بعد المصدر الأول .
قال أبو هريرة: ما من أحد من أصحاب النبى A أكثر حديثا منى إلا عبد الله بن عمر ، فإنه كان يكتب ، ولا أكتب قال عبدالله بن عمر: يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث ، أفنكتبه عندك؟ قال: « نعم » قلت: في الرضا والسخط؟ قال: « نعم ، فإنى لا أقول فيهما إلا حقًا » قال معاوية بن قرة: من لم يكتب علمًا لم يعد علمه علما أى لخوف النسيان والشك ، وقد قال الله تعالى عن موسى: { علمها عند ربِّى في كتاب لا يضل ربى ولا ينسى } فسن الله تعالى لنا الكتابة .