{ ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } بعد ما ذكر من سنى القحط ، والبعد للتفخيم ، والإشارة تلويح للوصف { عَامٌ فِيهِ } قدم للاهتمام أَو للحصر بالنسبة إِلى السنين الشداد { يُغَاثُ } مضارع غاث الثلاثى متعد ، يقال غاثنا المطر أَصابنا وغاثنا الله بالمطر ، والأَلف عن ياءٍ ، قالت أَعرابية: غُثنا ماشيتنا - بضم الغين وكسرها - مبنيًا للمفعول ، وماشية بدل اشتمال { النَّاسُ } المهودون ببلاءِ القحط ، أَو أَل للاستغراق العرفى ، وفى ذكر في بعذ الأَخبار أَن القحط في تلك السنين القحطية عم الدنيا كلها ، وأَنه مات فيه أَهل مدن كثيرة فتكون أَل للاستغراق الحقيقى ، ويدل له ما يتبادر من الغيث من أَنه المطر ، وأَهل مصر والنيل لا ينتفعون بالمطر ، إِلا أَنه على أَن يبقى أَهل مصر مذكورين فلعل الغيث على عمومه بعض الأَقاليم بالمطر ، وبعضها بالنيل وقد يقتصر على المطر؛ لأَن مادة النيل الأَمطار في أَعاليه ، أَو المراد الغوث من القحط ، والغوث بمعنى الإِغاثة ، وهو رباعى واوى والتنجية يعم كل ذلك في كل موضع قصد { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } قدم فيه للاهتمام وأَما الحصر فلا إِلا باعتبار سنى القحط ، وأَيضًا قدم للمفاصلة ، ولم يؤْت بمفعول يعصرون للعموم بحيث يطلق على ما يصلح عصره على الإطلاق من زيت وماءٍ عنب وسكر وسمسم وغير ذلك مما يعصر من النبات والثمار ، وكأَنه قيل: يعصرون الزيت وماءَ العنب ونحو ذلك ، وقيل يعصرون ينجون أَى من القحط كماقال أَبو زيد في الإِمام عثمان:
صاد يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصره المنجود
أى منجاة المنجود ، قيل يعصرون: ينالون المطر ، وقيل يعصرون: يحلبون الضروع ، ولا مانع من كل ذلك ، ولا مدخل لقوله: { ثم يأْتى } إِلخ وفيه يعصرون لتعبير الرؤْيا فإِنه خارج عنها بل علم ذلك بالوحى أَو الإِلهام ، أَو بانتهاءِ الجدب بالخصب ، أَو بأَن عادة الله التوسعة بعد الضيق ، إِذا حل أَمر فانتظر وقع ضده ، البيت ، واعترض بأَنه لو كان كذلك لأَجمل في البشارة ، وأَن حصر الجدب يقتضى تغييره بخصب ما لا على ذكره ، وهو بشارة بشرهم بها تعقب تمام تأْويل الرؤْيا بالسنين المخصبة في مقابلة البقرات السمان ، والسنبلات الخضر ، وبسنى الجدب في مقابلة البقرات العجاف ، مع البقرات العجاف أَو السنابل اليابسات لكن جمع ذلك لكمال السعة والشدة .