فهرس الكتاب

الصفحة 4219 من 6093

{ قالُوا } إذعانا لقدرة الله علىلبعث { ربَّنا } يا ربنا { أمتَّنا اثْنَتَيْن } اماتتين اثنتين { وأوحْييتنا اثْنَتيْن } احيائتين اثنتين ، فالنصب على المفعولية المطلقة على القياس من لفظ الفعل ، ولاحاجة الى دعوى خلاف الأصل من تقدير اسم مصدر الفعلين ، هكذا موتتين اثنتين ، وحياتين اثنتين ، وتفسر اسم المصدر بالمصدر ، فليقدر المصدر من أول أولى من تقدير فعل ثلاثى ومصدره والأصل عدم الحذف ، أى أمتنا فمتنا موتتين اثنتين ، وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين .

روى ابن جرير ، عن ابن عباس ، والحاكم ، عن ابن مسعود: أن الاماتة الأولى خلقهم أمواتا ، والثانية اماتتهم لأجلهم ، والاحياءة الأولى نفخ الروح فيهم ، وهم في البطون ، والثانية نفخ الروح فيهم يوم البعث كقوله تعالى: { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } ويجوز اعتبار موت النطفة بانفصالها عن الصلب ، وهى فيه حية حال خروجها أيضا ، واطلاق الامانة على خلق الشىء بلا روح مجاز ، والحقيقة سلب الحياة مما هى فيه ، وذلك من باب حمل الفعل على الصرف على غيره .

فمعنى أماتهم أولا: صرف الحياة عنهم ، أى تركها كوسع الدار ، ووسع الباب بمعنى أنه بناها من أول الأمر واسعين ، ولا يشترط في ذلك القدرة على المصروف عنه كما يوهم كلام بعض المحققين ، وذلك كقولنا: سبحان من صغر البعوضة ، وكبر جسم الفيل ، وليس في ذلك نقل من كبر الى صغر ، ومن صغر الى كبر ، وذلك أن الكبر والصغر جائزان في الشىء واذا صرفه عن أحدهما فصرفه كنقله عنه ، وجعل بعضهم ذلك استعارة بالكتابة ، يترتب عليها المجازالمرسل ، وفى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، وهو عدم الحياة هكذا مطلقا والاحياء والحياة لا يحتاجان الى سبق موت مسبوق بالحياة ، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز في الاحساء المذكور فافاضة الروح على الجنين احياء حقيقة ، وعلىلموتى يوم البعث حقيقة أيضا .

وقال السيد: الاماتة الأولى أماتتهم لأجلهم ، والاحياءة الأولى احياءهم في القبر للسؤال ، والاماتة الثانية اماتتهم الى قيام الساعة بعد الاحياء للسؤال ، والاحياءة الثانية ايحاءهم في البعث ، ولا يبحث بأن في ذلك ثلاث احياءات ، لأنه لم يذكر حياة الدنيا ، لأن انكارهم في الدنيا انما هو لاحيائهم في القبر ، واحياءهم للبعث ، ولم يفسر كلامهم بالثلاث ، وهو في الآية باثنين ، ولا اشكال في ذلك ، وقال ابن زيد: أحاؤهم نسما عند « الست بربكم » واماتتهم بعد أخذ العهد ، واحياءهم في الدنيا ، واماتتهم فيها ، ثم احياءهم أى في القبر على أن يعده ، ويعد احياء البعث واحدا ، أو أراد احياء البعث ، ولا يبحث بأن فيه احياءات واماتات ، أنه لم يفسر الآية ذلك ، بل أراد ذكر ما كان .

وعبارة بعض الصوفية عدوا أوقات البلاء والمحنة أربعة: الموتة الأولى في الدنيا ، ثم الحياة في القبر للسؤال ، والموتة الثانية في القبر ، ثم الحياة للجزاء ، ولم يعدوا الحياة الدنيا لأنها ليست من أقسام البلاء ، وقيل حياتان: حياة الدنيا وحياة الآخرة ، وموتتان: الموتة الأولى في الدنيا ، ثم الموتة الثانية في القبر بعد حياة السؤال ، ولم يعدوا حياة السؤال لقصرها ، ويشكل في الباب ما ورد من الأخبار في تعذيب الكفار في قبورهم استمرارا ، وتعدد حياتهم وموتهم فيها مع العذاب ، كلما رجع اليهم أرواحهم ، ولا يصح أن يقال: التثنية في الآية للكثير ، فتشمل الاحياءات كلها ، والاماتات كلها ، مثل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت