{ بل متَّعنا هؤلاء وآباءَهُم حتَّى طَال عليهُم العُمُر } انتقال الى ذكر استدراجهم المتضمن للوعيد ، أو من توهمهم أنهم في كلاءة من آلهتهم ، أو من توهم أنها تمنعهم ، وأن ما هم فيه يدوم الى أن إبقاءهم متنعمين استدراج { أفلا يروْن أنَّا نأتى الأرضَ } ألا يعتبرون فلا يعلمون أنا نأتى أرضهم ، أو أرض الكفرة مطلقا { نَنْقُصها مِنْ أطرافها } بتغليب المؤمنين عليها ، ولم يقل أفلا يرون أنا ننقص الأرض بل { قال نأتى الأرض } الخ إشارة الى أن انتزاها بإتيان جيوش المؤمنين ، وأنه بقدرته تعظيم أمر الجهاد والمجاهدين ، إذ أسند ما لهم اليه ، وننقص حال مقدرة ، والآية مدنية فرض الجهاد ، جعلها الله تعالى في سورة مكية ، وعلى أنها نزلت بمكة فنقص الأرض إذهاب بركتها ، قيل: وتخريب قراها ، وموت أهلها ، وفيه أنه لم يظهر التخريب وموتهم ، ولا يصح أيضا ما روى عنه A: ان نقصها بموت العلماء ، فهو حديث موضوع إذ لم يظهر موتهم ، وإن أريد علماء أهل الكتاب لم يظهر أيضا .
{ أفُهم الغالبون } أنحن الناقصون لها ، فهم مع ذلك الغالبون على رسول الله A والمؤمنين ، لا يتصور ذلك ، بل المؤمنين هم الغالبون ، وضمائر الغيبة في ذلك كله من قوله: { بل هم عن ذكر ربهم } إلى هنا تحقير لهم ، وتنزيل لهم منزلة ما هو أخس من البهائم ، وأمر رسوله بخطابهم في قوله:
{ قل إنَّما أنُذِرُكُم } فى شأن الاستعجال { بالوَحْى } الصادق الناطق بإثبات الساعة ، وشدة هولها وقوله: { ولا يسْمعُ الصُّمُ الدُّعاء إذا ما يُنْذَرون } صيح عليهم بحدوث مخوف ، وذلك من جملة ما أمر الله سبحانه رسوله صلى الله وسلم أن يقوله لهم ، أو مستأنف من الله D ، أى قل لهم: إنما أنذركم بالوحى ، ولا يؤثر فيهم قولك ، ولكن تبليغًا وقطعا للاعتذار ، كما لا يؤثر النداء المكرر المرفوع به الصوت جدًا في الصم ، فإن من شأن الإنذار رفع الصوت جدا ، وتكريره على هيئة تدل على حادث مكروه ، هم يسمعون شبهوا بمن لا يسمع طبعًا فضلا عن أن يعملوا بما يقال لهم: والصم الجنس ، فهؤلاء داخلون أولا إذ فيهم الكلام ، أو هم المقصودون ، ذكروا بالاسم الظاهر ليصرح ببعدهم عن قبول فلذا لم يقل: ولا يسمعون ، وأجيز أن يكون المعنى لا يسمع هؤلاء ، أو هم وأمثالهم الدعاء الى الحق إذا أنذروا به .