{ وَجَعل } قيل العطف علىخلق ، وفيه الفصل بجملتين مشوشا للذهن ، مورثا لصعوبة فهم معنى الأصل ، ولو كان قوله: { وتجعلون } الخ بمنزلة لتكفرون بالذى خلق الخ فهما كواحدة ، وقوله: { ذلك رب العالمين } مؤكد لمضمون الكلام ، كما رأيت في تفسيره آنفا ، والأقرب العطف على محذوف أى خلقها وجعل { فيها رَواسِىَ } جبالا راسية أى ثابتة { مِنْ فَوقها } متعلق بجعل ، أو نعت لرواسى ، أو لمنعوته ، وانما صح النعت على طريق قولك: ان الرواسى الثابتة من فوقها ، هو جعلها وفائدته قوله: « من فوقها » أنها فوقها لا تحتها ، كالعمد لها ، ولا مغرورة فيها كالمسامير ، ليتوصل بارتفاعها الى مصالح واعتبارات ، وغرز بعض أسفلها لا ينافى أنها من فوقها لقتله ، فانها أنزلت الجبال تعد خلق الأرض ، وغرز قليل من أسفلها أو دفن .
{ وباركَ فيهَا } كثر خيرها بالانبات ، وخلق المعادن والجواهر والحيوان ، ومنه الانسان { وقَدَّر فيها أقْواتها } جعل الأقوات مقادير مخصوصة ، وأضافها لضمير الأرض ، لأنها في الأرض أويقدر مضاف ، أى أقوات أهلها ، وقيل الأقوات الأمطار والمياه ، فانها قوت للأرض تشربها ، فتلد الثمار النافعة ، وما ينتفع به مما تأكيل الدواب والخشب والحطب ، وعن عكرمة أنها ما خص به كل اقليم من الملابس والمطاعم والمشارب والبنات ، مما تعمر به الأرض ، كما قرىء: { وقسم فيها أقواتها } وقيل: خلق في كل بلدة ما لم يجعل في الأخرى لنتفعوا بالتجر ، وقيل: قدر البر لأهل أرض ، والتمر لأهل أرض ، والذرة لأهل أرض ، والسمك لأهل أرض .
{ في أرْبعةِ أيَّامٍ } متعلق بقدر على مذهب أبى حنيفة في القيدين متعاطفين ، أو متعاطفات أنه يعتود الى الاخير ، والذى يظهر أنه للكل ، لأن عاملها واحد حتى يدل دليل على تخصيص ، ويجعل ذلك من باب الحذف ، أو من التنازع ، واذا لم يصلح العامل لكل على حدة قدر ما يعم ، مثل أن يقدر هنا حصل مجموع ذلك في أربعة أيام ، ثم رأيته قولا للشافعى ، قال الله تعالى: { خلق الأرض في يومين } ثم قال: { وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام } ثم قال: { وقضاهن سبع سموات في يومين } وخالف ظاهر ذلك قوله تعالى في آية أخرى: { في ستة أيام } الجواب قيل: ان المراد في تتمة أربعة أيام ، وتتمتها يومان ، وإلا كانت الأيام ثمانية ، وانما هى ستة بزيادة يومين على أربعة ، ومثل لذلك بقولك: سرت من البصرة الى بغداد في عشرة أيام والى الكوفة في خسمة عشر ، تريد تتمة عشرة كذا قيل ، وهو تخليط ، وانما الجواب ما يجىء بعد ان شاء الله تعالى .
وعبارة بعض في أربعة ايام مع اليومين الأولين المذكورين قبل ، ففى المثال خمسة عشر بعد العشرة المذكورة .