فهرس الكتاب

الصفحة 4674 من 6093

{ سَيقُول لك الخلَّفون } الذين تركتموهم خلفكم ، ولم يخرجوا معكم الى مكة عام الحديبية معتمرين { مِن الأعراب } عرب البدو لا واحد له من لفظه الا بالنسب ، تقول: جاء أعرابى ، وقل مفرده عرب على العموم ، ثم خص بأهل البدو ومنهم ، والمخلفون منهم: جهينة ، ومزينة ، وغفار ، وأشجع ، والصمايل ، أو سلم ، وديل ، ونخع ، طلبهم رسول الله A ليخرجوا معه للعمرة حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب ، أو يصدون عن البيت ، وأحرم هو A ، وساق معه الهدى ، ليعلم أنه ما أراد حربا ، فامتنعوا لما رأوا أنه استقبل A عددا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والأحابيش ، وهم القبائل المجاورون حول مكة ، وقالوا: كيف نذهب الى قوم عزوه في داره وقتلوا أصحابه؟ وقالوا ولم يتمكن الايمان في قلوبهم: لن يرج محمد وأصحابه من هذه السفرة ، فأوحى الله تعلى اليه بما قالوا ، فأخبرهم بما قالوا قبل أن يصل اليه رسولهم به ، وباعتذارهم المذكور في قوله تعالى: { شَغَلتْنا } عن السفر معك الى مكة للعمرة { أموالنا وأهْلونا } اذ لا حافظ لها بعدنا ، وأخروا ذكر الأهل للترقى ، بأن يذكروا شيئا فشيئا فيختموا بما يكون حجة لا ترد ، وان رد ما قبلها لا للاهانة ، لأن المحافظة على النسوة والمماليك والأولاد أهم عند ذوى الغيرة ، من المحافظة على الأموال ، وذلك مطبوع في القلوب .

{ فاسْتَغْفر لنا } ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك ، فانه لم يكن لتكاسل أو لحب خذلان لك ، بل لذلك الشغل ، وقوله تعالى: { يقُولُون بألْسِنَتهم ما لَيسَ في قلوبهم } مستأنف لتكذيبهم إذ قالوا: تخلفنا لذلك الشغل ، وفى قلوبهم أنهم تخلفوا لخذلانه ، ولخوف أن يقتلوا وبخلا بمئونة السفر ومشقته ، وإذ طلبوا الاستغفار طلب المعترف بالذنب ، وفى قلوبهم أنهم لم يذنبوا في تخلفهم ، وأطلت الكلام على الكذب عند النظام وغيره في موضع آخر .

{ قُل } ردًا عليهم { فمن يمْلكُ } عاطفة في الأصل على كلامهم ، وأما في الحال فمما نصب بالقول ، كأنه قيل اعطف على كلامهم بقولك ، فمن يملك أو في جواب شرط محذوف ، والكل وما بعده منصوب بقول ، أى قل ان كان ذلك فمن يملك الخ ، والملك التغلب على الشىء بقوة وضبط ، قال شيخ من العرب: أصبحت لا أملك رأس البعير ، ان نفر ، أويقال: ملكت العجين اذا شددت عجنه ، فمعنى الآية من يستطيع لكم امساك شىء من قدرة الله تعالى ان أراده بكم { لَكُم } هذه اللام صلة للفعل قبلها وهى للتمليك والنفع ، والقول بأنها للبيان ، أى أعنى لكم تخليط وزيادة معنى غير مراد { مِن الله } من للابتداء متعلق بيملك كما تعلقت به اللام ، أو بمحذوف حال من قوله: { شيئا } نفعا ، أو دفع ضر ، ودفع الضر نفع فصح أن اللازم للتملك والنفع ، ولا ينافى هذا النفع عموم قوله: { شيئا } للضر لما عملت أن دفعه بقوله:

{ إن أراد بكُم ضرا } ايقاع الضر { أو أراد بكُم نفْعًا } ايقاع النفع ، والضر والنفع باقيان على المعنى المصدرى ، ويجوز تفسرهما بمعنى الوصف أى الأمر الضار أو النافع ، كأنه قيل: ما يضر وما ينفع ، وقدر بعض من يملك لكم شيئا ان أراد بكم ضرا أو من يحرمكم النفع ، ان أرا بكم نفعا ، وهذا تفسير ليملك بدفع المضرة هنا ، كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت