{ وجاهدوا في الله } جاهدوا الكفار لله ، أو جاهدوا في سبيل الله ، والجهاد استفراغ لجهد أى الطاقة في شىء ، والمراد جهاد المشركين ، ويقاس عليه المبتدعة والفسقة ، بحسب ما يكون ، وجهاد الشيطان والنفس ، قال جابر بن عبد الله: قدم على رسول الله A قوم غزاة فقال: « قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر » قيل: ما الجهاد الأكبر؟ قال: « مجاهدة الهوى » وفى سنده ضعف يجبره صحة المعنى ، والأحاديث الأخر في هذا المعنى ، ولا مانع من تفسير الآية بذلك كله ، وقرأ الحسن الآية فقال: إن رجل ليجاهد في الله وما ضرب بسيف .
{ حقَّ جهادِهِ } أى الجهاد الذى ينسب الله ، ويفعل لوجهه بأن أمر به ، ويعبد به وهو الذى بإخلاص وعدم تقصير ، كما تقول في التمر المتَّبلس لله: تمر الله ، باضافته لله ، ولا حاجة الى تقدير جهادًا فيه حقًا ، ومن قال: المراد أطيعوا الله جدًا قال نسخ بقوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } وأما أن تفسر بلا تعصوا البتة ، فلا يقبل النسخ ، لأنه يفضى الى إباحة بعض المعصية .
قال عمر لعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما: ألسنا كنا نقرأ { وجاهدوا فىلله حق جهاده } فى آخر الزمان كما جاهدتم في أوله فقال: بلى ، قال: متى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كان بنوا أمية الأمراء ، وبنو المغيرة الوزراء ، وهذا الزيادة تفسير لا تلاوة ، ولو كانت ونسخت تلاوتها لشهر .
{ هُو اجتباكم } اختاركم لعبادته وجهاد عدوه ، ومجاهدة أنفسكم بترك ما تدعو اليه مما لا يرضى الله به { وما جَعَل عليْكُم في الدين من حَرجٍ } تكليف ما لا تطيقونه ، أو يشتد عليكم جدًا ، وذلك إما ابتداء أو تسهيل بعد تكليف ، قوله A: « إن أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم » ويل ذلك جعله التوبة لنا كلما أذنبنا ، والقصاص والدية والأرش والكفارة واستشكل بعض إدخال التوبة في ذلك .
{ ملة أبيكُم إبراهيمَ } منصوب على الإغرء ، أى الزموا ملة أبيكم إبراهيم أو مفعول بأعنى أى أعنى بالدين ملة أبيكم قيل أو مفعول مطلق من معنى نفى الحرج ، لأن معناه التوسعة على حذف مضاف ، أى وسع عليكم توسعة ملة أبيكم ، وهذا عجيب ، كما أجيز أن يكون ابراهيم لاتبعوا محذوفًا ، وإنما هو بدل أو بيان من أبيكم ، والمراد بالملة الأصول ، وما لم ينسخ من الفروع ، وسمى أبًا لأن أكثر العرب أو أشرفهم وهم قريش من ذريته ، ولأنه أبو رسول الله A ، وهو كالأب لأمته ، إذ هو سبب لمنافع الدنيا والدين ، والحياة الطيبة في الآخرة ، بل ابراهيم نفسه أيضا كذلك ، ولو كان سيدنا محمد A أعظم في ذلك .