{ وقال } فى شأن إنكار رسالة نبينا محمد A { الَّذين لا يرجُون لقاءنا } لا يطمعون فيه كما يطمع المؤمنيون فيه لايمانهم بالبعث ، فيثابون ، وهؤلاء الكفرة لم يؤمنوا بالبعث ، فهم لا يطمعون في لقاءنا ، ومعنا لقائنا لقاء ثوابنا ، وهم لم يعملوا له أيضًا ، فلا يرجونه ، والرجاء الطمع أو التمنى ، أو لقاءنا مجاز عن الثواب بلا تقدير مضاف ، وقيل: الرجاء الخوف كما فسر به قوله تعالى: { لا ترجون لله وقارًا } وقول الشاعر:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل
وقوله:
لا يرتجى حين يلاقى الدابدا ... أسبعة لاقى له أو واحدا
حقيقة في لغة تهامة ، وهذيل مجاز في غيرها ، اى لا يخافون لقاء عذابنا ، أو اللقاء عبارة عن العذاب ، وذلك لعدم إيمانهم بالبعث { لولا أنزل } من الله { عليْنا } معشر الأكابر الأشراف ، أو على كل واحد ممن أنكر رسالته ، وهذا أشد عتوًا { الملائكة } الجنس أو كلهم ، وهو أشد عتوًا ليخبرونا انك رسول الله { أو نَرى ربَّنا } ليخبرنا أنك رسول منه { لَقَد اسْتكبرُوا في أنفسهم } الأصل استكبروا أنفسهم أى عدوها كبيرة الشأن ، وضمن معنى ألقوا الكبر فعدى بفى أو المعنى أضمروا الكبر في قلوبهم ، وذلك أنهم راموا ما لا يصلح للرسل والملائكة ، وهو رؤية الله ، فانها لا تثبت لأحد في الدنيا ولا في الآخرة ، لأنها تنافى الألوهية ، وأنهم احقره A عن أن يؤمنوا به وبآياته ومعجزاته .
{ وعَتَوْا } العتو مجاوزة الحد في الظلم ، وزاد على مطلق ذلك بقوله: { عتوا كبيرًا } أقصى ما يكون ورد الله عليهم بذكر الملائكة ورؤيتها لا على وجه طلبوه ، بل على وجه العقاب في قوله:
{ يوم يَرونَ الملائكة } مفعول لا ذكر ، أو ظرف أى لا يفرحون يوم يرونهم ، أو يعذبون يوم الخ ، وهو يوم القيامة أو الموت أولا بشرى يوم الخ ، ودل على المحذوف قوله: { لا بشرى يومئذ } يوم إذ يرونهم { للمجرمين } عمومًا ، وهم من المجرمين ، وهذا احتجاج عليهم ، فلا بشرى لهم أولا وبالذات ، أو هم المراد بالمجرمين إظهارًا في مقام الاضمار ليذكرهم باسم الاجرام المنافى للبشرى ، أو المراد الرؤية في الدنيا على سبيل الفرض لثبوتها ، وعلى طريق الاخبار بأنهم لا يؤمنون ، ولو رأوهم ، فاذا رأوهم كما طلبوا ، ولم يؤمنوا لم يؤخر عذابهم ، كما أهلك قوم صالح ، وأصحاب المائدة ونحوهم ممن اقترح آية { إلا قوم يونس لما آمنوا } الخ ، وقال: { يوم يرون الملائكة } ولم يقل تنزل الملائكة كما قالوا: ولولا أنزل إيذانًا من أول بأن ملاقاتهم الملائكة ليس على طريق ما طلبوا بل على وجه آخر .
{ ويقولون } لنزول العذاب عليهم على طريق الدعاء { حِجْرًا مَحْجُورًا } أحجرك الله حجرًا محجورًا ، أى منعك منعًا ممنوع الترك ، أى منعًا لا بد منه كلام تقوله العرب عند الخوف من شىء ، فهم يقولونه للملائكة كما قال أبو سعيد الخدرى: إن القائلين الملائكة حجرت البشرى عنكم حجرًا محجورًا ، لأنكم لم تقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله A ، وعن ابن عباس: الجنة ، وقيل الغفران ، ونفى البشرى كناية عن الخزى ، لأن المقام إذا كان لأحد الشيئين فقط ونفى أحدهما بقى الآخر ، والآخرة إما عقاب أو ثواب .