{ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ } جمع خليفة ، والخليفة إِذا كان المؤنث يؤنث وإِذا كان لمذكر يذكر ولا يؤنث فتقول: جاءَ الخليفة وهذا الخليفة ، ولا تقول جاءَت أَو هذه ، وشذ قوله: أََبوك خليفة ولدته أخرى ، وظاهر قول بعض إِن منهم من يقول خليفة أُخرى ، أَن التأنيث لغةن ومعنى جعلهم خلائف أَنهم يخلفون من قبلهم أَو أَن بعضا يخلف بعضا ، أَو جعلكم خلفاءَ الله في أَرضه فوحدوه واعبدوه ولا تجوروا فىتصرفاتكم فيها ، أَو الخطاب للمؤمنين جعلهم خلفاءَ الأُمم السابقة { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } بالمال والجاه والشرف والقوة والحسن والغنى والعلم والجود وكرم الأَخلاق { لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ } أَيكم يشكر الخير ويصبر على السوءِ { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ } للعصاة ، والسرعة عبارة عن القرب ، لأَنها سبب للقرب وملزوم له في الجملة ، وكل ما هو آت قريب أَو سريع التمام إِذا جاءَ لا يؤخر عن وقته { وإِنه لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } بالغ في الغفران والرحمة بصيغتى المبالغة ولام التأكيد وإِسنادهما إِلى نفسه بخلاف العقاب فلا صيغة مبالغة فيه ولا معه لأَن سريع صفة مشبهة لا صيغة مبالغة ، ولا أَسند السرعة إِلى نفسه ولا أَسند العقاب إِلى نفسه ، إِذ لم يقل إِنى سريع في العقاب ولا إِنى معاقب سريعا ، وذلك تلويح بأَنه غفور رحيم بالذات وكثير الغفران والرحمة ومعاقب بالعرض قليل العقاب ، وذلك ترجيح للمغفرة والرحمة ، ومعنى قولنا بالذات بالأَصالة والرجحان وسبق الرحمة للغضب لا ما قيل إِن معنى بالذات أَن غفرانه ورحمته لا يتوقفان على شئ ، ومعنى بالعرض أَن العقاب يتوقف على الذنب ، لأَنا نقول المغفرة والرحمة تتوقفان على العمل الصالح والتوبة فإِن عدم توقفهما على ذلك مذهب المرجئة ومن اعترف منهم ، قال بعض:
أَنا مذنب أَنا مخئ أَنا عاصى ... هو غافر هو راحم هو عافى
قابلتهن ثلاثة بثلاثة ... ولتغلبن أَوصافه أَوصافى
وقال الشافعى:
ولما قسا قلبى وضاقت مذاهبى ... جعلت الرجا ربى لعفوك سلما
تعاظمنى ذنبى فلما قرنته ... بعفوك ربى كان عفوك أَعظما
قال أَبو نواس:
يا رب إِن عظمت ذنوبى كثرة ... فلقد علمت بأَن عفوك أَعظم
إِن كان لا يرجوك إِلا محسن ... فمن يلوذ فيستجير المجرم
وفى الأَعراف اللام في الموضعين لأَن ما فيها بعد { وأَخذنا الذين ظلموا } وبعد { كونوا قردة } فناسب اللام في سريع لذلك ، ولأَنه مقطوع بالعذاب فيها ، وهنا في وعظ لمن يزدجر وبعد قوله: من جاءَ ، وقوله: وهو الذى ، وكانت اللام في الثانية في الأَعراف تبعا للأُلى فيها ولتأكيد الغفران في الجملة لا في للمقطوع عليهم بالشر المذكورين قبلها . والله أَعلم ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم .