{ آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ } قطع الحديد ، جمع زبرة كغرفة وغرف ، وذلك من زبرت الكتاب جمعت حروفه ، وزبرت الحديد جمعت فيها أجزاء منه ، وطلب إيتاء الزبر لا ينافى أنه لم يقبل منهم شيئًا ، لأنه أراد آتونى بزبر الحديد أستردها منكم ، أو أراد ناولوها إياى ، وهى من مالى ومال الله ، فهذا من الإعانة بالقوة .
وأما أن تقول الإيتاء بزبر الحديد على طريق العارية ، فلا يجرى في الجواب ، لأن ذلك إعانة بالمال لا بالقوة وحدها ، ولا يقال أراد بالخرج المال الكثير المقاوم ، أو المنقارب ، أو المقارب لما يعمل لهم من النفع ، وأما ما قل فلا بأْس به ، ودخل في قوة وأراده فيها ، لأنا نقول: الزبر غير قليل ، لأنها أعظم ما يحتاج إليه السد ، وأغلى ، ولذلك لم يذكر الصخر والحطب ، وقد يكون زبر الحديد مرادا عملها له من ماله ومال الله ، وقد تكون مستثناة ، كأنه قال لا أحتاج إلى مالكم إلا زبر الحديد وقوتكم ، وقد يكونون أرادوا بالخروج ما يستمر على الدوام كالخراج المضروب على الناس ، أو على أرضهم مثلا لا ما ينقطع كالزبر ، وهنا حذف تقديره مآتوها إياه فجعل بينى .
{ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } حتى صار ما بين الجبلين من بنائه مساويًا لهما في العلو ، وضمير ساوى للسد المفهوم أى ساوى السد الهواء المقابل للجبلين بينهما من الأرض إلى فوق ، فلزم مساواة الجبلين ، ولو كان لذى القرنين لقال: ساوى بشد الواو وأجازه بعض ، والمشهور أن الصدف الجانب من الجبل .
{ قَالَ } ذو القرنين لعملة { انْفُخُوا } بالكيران في زبر الحديد المسطرة مع الصخر بين الجبلين ، وهنا حذف تقديره فجعلوا ينفخون .
{ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ } صيره { نَارًا } كنار في الحرارة واللون والضمير في جبل لذى القرنين مجازًا ، لأن الجاعل العملة ، وأسند الجعل إليه لأنه العمدة والأمر أو يقدر مضاف ، أى جعل عملته ، والهاء للمنفوخ فيه .
{ قَالَ } للذين يقولون أم النحاس وإذابته ، وللنافخين { آتُونِى } أعطونى من المتولين أمر النحاس أى صيروا القطر آتيا أى حاضرًا { أفْرِغْ عَلَيْهِ } أى على المنفوخ فيه { قِطْرًا } نحاسًا مذابًا عند الجمهور ، أو صاصًا مذابا أو حديدًا مذابًا ، ومفعول آتونى محذوف أى آتونيه برد الهاء للقطر ، ولجواز عود الضمير للمتأَخر في التنازع ، وقطرًا مفعول أفرغ ، ولو كان هو المفعول لأفرغ لقيل أفرغه ، ولا مانع من جعله مفعولا به لآتونى وحذف ضميره من أفرغ ، وإسناد قول آتونى والإفراغ إلى ذى القرنين كإسناد الجعل إليه ، وهنا حذف تقديره فآتوه القطر ، فأفرغه عليه ، والتصق بعض ببعض ، فصار جبلا صلدًا ، فجاء يأجوج ومأَجوج ، وقصدوا أن يعلوه أو ينقبوه أو امتثلوا أمره .