{ فَلاَ تُعْجِبْكَ } يا محمد أَو يا من يصلح ، على حد لا تشرك بالله { أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ } الفاء تفريع وسببية ، نهاه عن الإِعجاب بأَموالهم وأَنفسهم وعن أَن يفتن بها لفسقتهم وخصالهم القبيحة المذكورة ، فإِنهم لم يرادوا فيها بخير وإِنما هى استدراج ، ونهى المطلق نهى لأُمته A ، والإِعجاب بالشىء استحسانك إِياه سواءٌ أَكان لك أَو لغيرك ، سواءٌ مع الافتخار به أَو دون الافتخار به ، وسواءٌ خصصت به أَم كان مثله لغيرك ، أَيضًا فلا تهم خلافًا لم خصه بما إِذا افتخرت به أَو خصصت أَنت مثلا به ، فإِنه يقال مطلقًا أَعجبنى الشىءُ ، وهو معنى عرفى في اللغة لا كما قيل أَن أَصل التعجب حيرة للجهل بسبب الشىءِ ، وإِذا صح فقد خرج عن ذلك الأَصل خروجًا شائعًا ، واللفظ نهى للأَموال والأَولاد عن أَن تعجبه ، وهو من نهى الغائب والإِسناد إِلى السبب ، والمراد لا تكترث بها فضلا عن أَن تعجبك كقولك: لا أرينك هنا: أَى لا تكن هنا فضلا عن أَن أَراك؛ وبين الاستدراج بقوله { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ } مفعوله محذوف أَى يريد الله أَن يعطيهم الأَموال والأَولاد ، واللام للتعليل في قوله تعالى { لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ويجوز جعل مصدر يعذب مفعولا به ليريد على أن اللام صلة ، أَما تعذيبهم بالأَولاد فلاشتغال قلوبهم والاجتهاد فيما يسرهم ويليق بهم ، وفى إِزاحة ما يسؤوهم والحمية عليهم من كل وجه وجمع المال لهم ولجزعهم بموت الأَولاد في القتال ، إذ لا يرجون لقاءَهم بالبعث لإِنكارهم البعث ، ولا يرجون لهم ولا لأَنفسهم على موتهم وعلى المصيبة بخلاف المؤمن ، فإِنه يرجوا ثواب ذلك ، والشهادة لولده ، وأَما تعذيبهم بالأَموال فلاشتغالهم بجمعها والمحافظة عليها واهتمامهم وتعبهم فيها وما يلاقون من الشدائد فيها ، والمؤمن ولو كان يحصل له ذلك كله بالأَولاد والأَموال لكن لا يرغب فيها لذاتها ، بل ليتوصل بها للآخرة وإِن ذلك فيها تاب وله الثواب على ما يصيبه مما يكره وتخرج نفسه غير كافر ، ومن تعذيبهم بالأَموال والأَولاد خوفهم من سببها لو أَظهروا شركهن وإِعطاءَ ما لهم في الزكاة ونفقات الجهاد ، بدون أَن يعتقدوا لها ثوابا ولهم مزيد حب في الأَموال والأَولاد وأُمور الدنيا ، وبدأبها يكون لهم مزيد حزن وشدة ضيق ، وما أَصدق قول بعض:
ومن سره أَن لا يرى ما يسوءُه ... فلا يتخذ شيئًا يخاف له فقدا
وفى متعلق بيعذب لقربه لا بتعجب لبعده والفصل { وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ } أًرواحهم تخرج بصعوبة { وَهُمْ كَافِرُونَ } فيعذبون بعذاب الآخرة لكفرهم وعدم الاستعداد للآخرة كما عذبوا في الدنيا .