{ أتَدْعون } تعبدون أو تسألون حوائجكم { بعْلا } صنما طوله عشرون ذراعا من ذهب ، له أربعة أوجه ، عظموه وجعلوا له أربعمائة خادم ، وسموهم أنبياء له ، يكلمهم إبليس من جوفه بأمور الضلال ، فيحفظونها ويبلغونها الناس ، وهو لفظ عربى ، ولذلك صرف مع العلمية ، بل يجوز صرفه ولو عجميا ، لأنه ثلاثى ساكن ، وقيل: اسم امرأة تأتيهم بضلال ، كما قرىء بعلاء كحمراء ، وصرف على هذا لأنه ثلاثى ساكن الوسط ، وقال عكرمة وقتادة: البعل الرب بلغة اليمن ، وعن قتادة ، بلغة أزد سنوءة ، فهو علم منقول من اسم نكرة ، وقيل: باق على التنكير ، بمعنى أتدعون ربا من الأرباب ، وهم يسمون أصنامهم ومعبوداتهم أربابا ، وبعلبك باشام ، وموع الصنم بك ، وأضيف اليه بعل وركبا .
{ وتَذرون } تتركون { أحْسَن الخالقين } عبادة أحسن الخالقين أو سؤاله حجاتكم ، والخالقين بمعنى المقدرين ، ومن كلام فيه ، ولم يقل وتدعون أحسن بفتح الدال بمعنى تتركون ، ومع مناسبته لتدعون بعلا بإسكان الدال ، ومجانسته له لأن في هذه المجانسة قيل تكلفا ، وانما يحسن منها ما أتى عفوا ، وهذا بظاهره كلام كفر لأنه لا يعجز الله عن شىء فضلا عن أن يتكلفه ، ولعل قائله أراد أن حمل الكلام عليه تكلف ، وقيل لم يجنس لئلا يقرأهما من لا يعرف ضبط واحد أو يعكس ، لأن المصاحف كانت غير مضبوطة ولا منقوطة ، ويرده إن هذا لا يعتبر ، كما لم يعتبر فتركوه بلا ضبط ولا نقط أولا .
وقيل: لأن التجنيس في مقام الرضا ويرده وقوعه في قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم } وقوله تعالى: { يكاد سنا برقه } الخ مع أنهما في غير الرشا ، وقيل لأنهم اتخذوا الأصنام آلهة ، وتركوا الله مع علمهم بأنه D ربهم ، ويرده أنالا نسلم أن تدع بمعنى تترك مختص بالترك قبل العلم ، وتذر بالترك بعده ، وقيل: لأن لانكار كل من دعا ، وإنكار ترك أحسن الخالقين علة غير علة الأخر ، فترك التجنيس لتعاير العلتين ، علة الأول أنه لا قدرة لبعل ، والثانى أن الله قادر على كل شىء ، وقيل: لأنه لا مجانسة بين واجب الوجود وبدل ، وقيل لأن يدع بفتح الدال فيا لا يذم تاركه ، لأنه من معنى الدعة أى الراحة ، بخلاف يذر ، ويرده قوله تعالى: { وذروا ما بقى من الربا } وقوله: { فذرهم وما يفترون } وهما فيما لا يذم تركه .
وقيل: لأن يدع في ترك الشىء مع اعتناء به ، كايداع الأمانة ، ويذر في الترك مطلقا ، وقيل: لأن في يدع بالفتح ثقلا لاجتماع حرف الحلق مع الفتح ، والحق الاعتناء بعبادة من هو أحسن الخالقين ، ومن هو رب الأولين والآخرين ، كما قال D وتبارك وتعالى:
{ الله ربكُم ورب آبائكم الأوَّلين } تصريح ببطلان رأى آبائهم الذين قلدوا ، والله ربكم مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة ، وقد يوجه الاتصال بأن تجعل لفظ الجلالة خبر المحذوف ، أى هو الله ، أى أحسن الخالقين هو الله ، فربكم عطف بيان ، أو بدل من لفظ الجلالة .