فهرس الكتاب

الصفحة 2674 من 6093

{ اقْتَرب للنَّاس حِسابُهُم } قرب قربًا شديدًا لزيادة الهمزة والتاء ، أو مرادف للمجرد كرقب وارتقب ، ولا يقال ما القرب ، ومن حين نزلوها الى الآن أكثر من ألف عام ، وثلاثمائة ، وأحد وعشرين ، لأنه تعالى عظيم الشأن فالقرب عنده بعيد عندنا جدًا ، فالألف من السنين عنده يوم فقد مضى يوم واحد وزيادة ، وقد قال الله D: { إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا } أو المراد بالاقتراب تحقيق الوقوع ، وإذا جاز التعبير بالمضى عن الآتى ، فكيف لا يعبر عنه بالقرب وكل آت قريب ، والبعد ما وقع ومضى كما قيل:

فلا زال ما تهواه أقرب من غد ... ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس

أو القرب باعتبار ما مضى من الدنيا ، ولا حاجة الى تقدير مضاف ، هكذا اقترب للناس زمان حسابهم ، فإن ما قرب زمان وقوعه قد قرب ، وما قرب وقوعه قرب زمانه ، وهنا ذكر ما يقع ، وفى اقتربت الساعة ذكر الزمان ، وذكر اقتراب الحساب ولم يذكر العذاب ، لأن الحساب يوجبه ، وهو لدلالته على المناقشة دال على العذاب الشديد ، ولذلك مما لا يخلو قلوبهم عن الاضطراب به ، ولو بالغوا في العناد .

كما روى أنها لما نزلت { اقتربت الساعة } قالوا: أمشكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما يكون ، فمضت مدة فقالوا ما رأينا ما تعدنا فنزل: « اقترب للناس حسابهم » فأشفقوا ، ومضت مدة ، وقالوا: ما نرى شيئًا ، وللام بمعنى أل أو للاستحقاق أولى من كونها بمعنى من ، وقدم للناس وأخر حسابهم على طريق الاهتمام بالمقدم والتهويل به . والتشويق إلى ذكر المؤخر ، ولم يقل اقترب الناس للحساب ، لأن الأصل وهو الجارى في القرآن أن يسند الاقتراب الى الآية ، لا الى الموجود والناس المكلفون عمومًا ، أو المشركون ، أو مشركو مكة ، ليذكرهم بأوصاف الشرك بعد ، أو للعموم اعتبارًا بالأكثر حكم الكل عرفًا وشرعًا ، وذلك كل لا كلية ، أو المشركون والعصاة ، فيصرف الى كل فريق ، وما يليق به ، وهو خلاف الظاهر .

ويروى أن خاتم النبى A ثلاثة أسطر: محمد سطر أول ، ورسول سطر فوقه ، والله سطر ثالث أعلى ، وخاتم الصديق: نعم القادر الله ، وخاتم الفاروق كفى بالموت واعظًا يا عمر ، وخاتم عثمان: لتصبرن أو لتندمن ، وخاتم على: الملك لله ، وخاتم عمر بن عبد العزيز: اغز غزوة تجادل عنك يوم القيامة .

{ وهُم في غَفْلة } عظيمة بشدة بعدها عن التنبه ، أو بعمومها في أمور الدين من التوحيد والرسالة والحساب والثواب والعقاب ، ونحو ذلك من الأصول والفروع والجملة حال من الناس ، ولا شعور للغافل عن المفعول عنه ، بخلاف الإعراض ، ولذا ذكره بقوله { مُعْرضون } خبر ثان ، أعرضواعن التفكر في عاقبة حالهم ، ومآل أمرهم ، وذلك تابع لغفلتهم أو أعرضوا عن الآيات والتذكر بعد النزول أو أعرضوا أتوا بأمر عريض ، أى واسع في غفلتهم ، وأفرطوا فيه كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت