{ وأمَّا ثَمود فهَديْناهم } بينالهم طريق الهدى وطريق الضلال ، ونصبا لهم الأدلة ، وأمرناهم بالهدى ، واختاروا الضلال كما قال { فاستَحبُّوا العَمَى } أى الضلال ، استعار له اسم العمى لجامع عدم الاهتداء الى المقصود بالذات { عَلى الهُدى } عدى استحب بعلى لما في استحباب الشىء من تغليبه على غيره ، واعلائه عليه ، وقيل خلق الاهتداء فيهم فاهتدوا ثم كفروا ، واستدل المعتزلة بالآية على أن العبد مستقل بالايمان عن الله ، لأنه قال بينا لهم فاختاروا بأنفسهم العمى ، وهو خطأ فاحش ، والأشياء كلها مستأنيفة من الله ، ولا استقلال لشىء ما بشىء ، ولا دلالة لهم في الآية ، فان قدرة الله هى المؤثرة بلا إجبار ، وللعبد قدرة مقارنة لقدرته تعالى مخلوقة له تعالى أيضا بلا إجبار ، ألا ترى أنك حين إرادة المعصية قادر على تركها ، والمحبة ضرورية ، وإنما الاختيار لمقدماتها ، وكذا البغض ضرورى ، والاختيار لمقدماته ، ومعنى تكليفنا لمحبة الله ورسوله A ، إلزام مقدماتها .
{ فأخَتْهم صاعقة العَذاب } صحية العذاب ، أو نار العذاب من السحاب ، أو نار العذاب مصاحب للصيحة ، سبحان من ينزل النار من الماء ، فالصرصرة الصوت الشديد ، ففى تلك الريح نار ، وان فسرناها بالبرد لم يمتنع أن تكون حارة يعقبها البرد ، أو باردة يعقبها الحر ، واضافة صاعقة للعذاب للمبالغة ، كما بالغ بوصف العذاب بقوله: { الهُونى } كأنه نفس الهون ، أى الذل كان عذابهم نفس الهون وان صاعقة ، أو يقدر مصاحب الهون أو هو بدل { بمَا كانُوا يكْسِبون } يكسبونه من اختيار الضلال على الهدى بالاشراك وتوابعه من المعاصى ، وهذه سببية مؤكدة للسببية بالفاء .