فهرس الكتاب

الصفحة 1778 من 6093

{ خالِدِين فِيهَا مَا دامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ } المراد الخلود بلا غاية ، والسموات والأَرض منقطعة ، ولكن مثل بدوامها على طريقة العرب في التمثيل لما لا انقطاع له بما له انقطاع بعيد كما يمثلون لا إِياس بالسبعين ، ويقولون لا أَكلمك ما دامت السماءُ والأَرض حاضت البنت وما أَطت الإِبل ، وما أَورق الشجر وما أَينع التمر ، وما سال سائِل وما جن ليل وما طلع فجر وما لاح كوكب وما طرق طارق وما نطق الحق وما غنت حمامة ، ومرادهم أَنه لا يكون كذا أبدا ، ومعلوم أَنهم لا يعيشون مدة بقاءِ السماءِ والأَرض ولا مدة ما ذكر ولو أُريد ظاهر الآية لم يبقث إِلا المفهوم ، إِذ يفهم أَنه إِذا زالت السموات والأَرض خرجوا منها بل يبقون فيها إِلى زوالهما وبعد زوالهما لا يخرجون للنصوص الدالة على الأَبدية المبطلة لهذا المفهوم ، فليس هذا المفهوم مرادا في الآية ، ثم إن السموات والأَرض تفنيان يوم القيامة فكيف يدومون في النار ما دامتا فالمراد والله أَعلم التمثيل لخلودهم فيها بمقدار بقائِها ، وقيل المراد سموات النار وأَرضها وهما أَبديتان وسمواتها سقوفها كما قال الله جل وعلا: { يوم تبدل الأَرض غير الأَرض والسموات } وفى هذه أَيضًا أَن المخاطبين لا يعرفون ثبوت هذا ولا قيام الساعة ، ويجاب عن هذا والذى قبله أَنه لا مانع من خطابهم بما لم يعرفوا لفائِدتين إِحداهما الاحتجاج مثلا والأُخرى الإِخبار بذلك الشىءِ ، وقيل ما دامت السموات والأَرض قبل زوالهن فإِذا زالت أَبدلهم الله خلودا { إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّك } من مدة ، وهى ما بين قيام الساعة إِلى دخول النار فإِنهم يعذبون في قبورهم بنار تارة ، وتعذب أَرواحهم في سجين تارة بها ، والمستثنى منه هو المصدر الظرفى هو دوام السموات والأَرض ، لكن يبقى من يموت بقيام الساعة ، فإِنه لم يعذب قبله ، فإِِما أَن يحمل الكلام على الغالب لأَن من مات وعذب قبل قيامها أَكثر أَو يحمل الاستثناءُ في بابه على الاستثناءِ من أَول ولا مانع من اختلاف أَحوال المستثنى ، أَو المدة المستثناة هى مدة كونهم في الزمهرير فإِنهم تارة في النار ، وتارة في الزمهرير ، أَو المراد إِلا ما شاءَ ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماوات والأَرض ، وهى زيادة لا منتهى لها وإِلا في هذا الوجه كالنعت أَو البدل ، أَى مدة دوام السموات والأَرض التى هى غير ما يزداد بعدها ، كقولك: لى عليك أَلف غير الأَلف السابق أَو غير الأَلف الذى سيكون من جهة كذا ، ذكر أَولا ما يعرف من المدة وزاد بعدها ما لا ينتهى ، ويجوز أَن يكون المستثنى مدة لبثهم في الدنيا وبرازخهم والموقف ، وبرزخ كل أَحد ما بين موته إِلى بعثه كأَنه قيل نعم أَصحاب النار ، لا يخلون عنها إِلا ما سبق من المدة قبل وقت دخولها ، ويجوز الاستثناءُ من الزفير والشهيق والمعنى لهم فيها زفير وشهييق في جميع أَوقاتها إِلا بعض الأَحيان فينقطع فيها زفيرهم وشهيقهم ، إِلا أَن هذا يشكل بأَنه ليس استثناءً تاما لعدم ذكر المستثنى منه ، ولا مفرغا لعدم السلب ، وبعض النحاة يكتفى بالمقدر في ذلك كما رأيت ، والأَولى في هذا جعل الاستثناءِ منقطعا ، وقيل المعنى: إِلا ما شاءَ ربك لو فرض أَنه تعالى وD يشاءُ إِخراجهم فهو تعليق بالحال فيكون ذلك برهانا على الأَبدية كقوله تعالى D:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت