{ قَالَ يَا مُوسَى } تسل عما أَصابك من الصعق وغيره مما تكره بإِرسالى إِياك ، وبكلامى كما قال { إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ } ناس زمانك المؤمنين المخلصين ، كما أَن قوله { وأَنى فضلتكم على العالمين } مراد به ناس زمانهم لا كل من يجئ ولا الملائكة ، إِلا ما فيه تفضيل ، وأَما الملائكة فلهم كلام الله بلا واسطة تارة وبها أخرى ، وبعض بها وبعض بدونها ، وقيل: سمعه السبعون معه ، لأَنهم أحضروا ليخبروا ، ولما سمعوه طلبوا أَن يرى الله سبحانه فيروه معه . وعن ابن عباس: قعدوا أَسفل الجبل وصعد ولم يسمعوا { بِرِسَالاَتِى وَبِكَلاَمِى } لك بلا واسطة ملك ، أَما هارون E فتبع له لا مختص بكتاب ، ولا متكلم له ، وشرعه شرع موسى ، والرسل كلهم شاركوه في الرسالة ، لكن زاد عليهم بكلام الله D بلا واسطة ، كلم الله D وسبحانه وتعالى سيدنا محمدًا A بلا واسطة ، والقرآن ناطق بأَن هذه الأُمة خير أمة فما نبيها إِلا خير الأَنبياء ، وليس موسى أَعظم من إِبراهيم ، ولكن قد يؤتى المفضول ما لم يؤت الفاضل ، قال سبحانه: يا موسى إِنما كلمتك لأَنى لم أَخلق خلقًا تواضع إِلى تواضعك ، والرسالة الإِرسال ، ونفس ما أرسل به ، أَو المراد تبليغ رسالتى ، والكلام التكليم ، { وكلم الله موسى تكليمًا } أَو التوراة ، كما يسمى القرآن كلام الله تسمية بالمصدر ، ومعلوم أَنه لم يؤت رسول كتابًا مثل التوراة إِلا القرآن ، فإِنه أَفضل بإِذن الله ، وحاكم عليها ، وقدم الرسالة على الكلام لأَنها أَسبق ، أَو ليترقى الكلام إِلى الأَشرف ، فإِن التوراة والتكليم أَعلى من باقى الوحى إِلهه ، وأَعاد الباءَ تنبيهًا على مغايرة الكلام للرسالة ، قال ابن عباس: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: « ناجى موسى ربه بمائة أَلف وأَربعين أَلف كلمة في ثلاثة أَيام كلها وصايا ، فكان فيما ناجاه: يا موسى ، لم يتصف المتصفون بمثل الزهد في الدنيا ، ولم يتقرب المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم ، ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خيفتى ، أَما الزاهدون في الدنيا فأَبيحهم جنتى حتى يتبوأوا فيها على أَطيب عيش وأَرغده ، وأَما الورعون عما حرمت عليهم فإِذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إِلا ناقشته الحساب إِلا الورعين فإِنى أَجلهم وأَكرمهم ، وأدخلهم الجنة بغير حساب ، وأَما الباكون من خشيتى فأُولئك لهم الرفيق الأَعلى لا يشاركون فيه ، وأَحب الأَعمال إِلَىَّ ذكرى ، والأَتقى الذى يذكرنى ولا ينسانى ، والأَغنى الذى يقنع بما يؤتى ، والأَفضل الذى يحكم بالحق ولا يتبع الهوى ، والأَعلم الذى يطلب علم الناس إِلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى أَو ترده عن ردى ، والأَحب إِلىّ عملا الذى يكذب لسانه ، ولا يزنى فرجه ، ولا يفجر قلبه . ويليه قلب مؤمن في خلق حسن ، والأَبغض قلب كافر في خلق سئ ، ويليه جيفة بالليل بطال بالنهار . اذكرنى يا موسى بلا إِله إِلا الله ، اذكرنى بلا إِله إِلا الله ، لو أَن السموات والأَرضين وما فيهن في كفة ولا إِله إِلا الله في كفة مال بهن لا إِله إِلا الله »