{ فَانْطَلَقَا } موسى والخضر ، ولم يذكر يوشع لأنه تابع لموسى ، و قيل: رده موسى إلى بَنى إسرائيل .
قال البخارى ومسلم وغيرهما: إِنهما مشيا على الساحل ، فطلبها أهل سفينة مرت عليهما أن يحملوهما ، فعرفوا الخضر فحملوها بلا كراء ، وذكر ابن أبى حاتم عن الربيع بن أنس: أنهم ظنوا أنهما لصوص ، وكان الموضع مخوفًا فأبوا ، فقال كبيرهم: أرى رجالا عليهم النور لأحملنهم ، فحملهم .
{ حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَها } أل للحقيقة ، إذ لا عهد بها ، ولا يصح الاستغراق ، وهى سفينة جديدة قوية ، أحسن ما يكون ، ويقال: كانت صغيرة تحمل من عدوة إلى عدوة ، وهو مناسب لأن تكون في بحر طنجة ، فهى تحمل من عدوتنا هذه إلى عدوة أنداس ، وكنت أقول الأندلس بأل ، ثم تذكرت أنه لا وجه لأل ، لأنه علم فلا وجه لأل إلا تكلف تضمن معنى جزيرة ، والمشارقة يقولون في بحر الشام ، وأنها تحمل إلى أيلة ، ولما طلعا فيها جاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ، ونقر في البحر ، وقال له الخضر: ما نقص علمى وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر ، وهذا تمثيل إذ لا ينقص من علم الله تعالى شئ ، والبحور تنفذ وعلم الله لا ينفذ .
وعدى ركبا بقى لتضمن الركوب معنى الدخول ، وانظر هل ذكرت شيئًا في قوله تعالى D: { وقال اركبوا فيها } وخرقها: قلع لوح منها بالقادوم ، وقيل: لوحين مما يلى الماء ، قيل: وتَّد فيها وتدًا أيضًا .
ويروى أنها لما صارت في لج الماء أخذ مثقابًا له فثقبها ، وأخذ لوحًا وأصلحها به ، وقيل: حين شارفت الأرض ويجمعم بأنه عزم في اللجة أو ابتدأ فيها ، ولم يتم حتى شارفت أرض العدوة أَو أرض جزيرة نزلوها ، أو لم ينزلوها .
أو معنى ما يلى الماء ما يقرب منها ، بحيث يدخلها ويقدر على علاجه أما في أسفلها فلا يقدر على إصلاحها ، اللهم إلا بقدرة من الله له أو بكفه الماء له ، على كل حال قال له موسى عليهما السلام: قوم حملونا بغير نول ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها .
{ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } وذلك أنه خرقها وأهلها فيها ، وذكر بعض أنهم خرجوا فتخلف فيها ليخرقها ومعه موسى ، ومعنى الإغراق على هذا أنهم إِذا ركبوا فيها غرقوا إذ كانت بخرقه ، ولو أصلحها يدخلها الماء قليلا شيئًا فشيئًا ، وإن خرقها وهم فيها فهم لم يشعروا بأنه يخرقها ، بأن خرقها في موضع لا يرونه ، وليسوا فيها .
وروى عبد بن حميد ، ومسلم وابن مردويه حديثا: أنه خرج مَن كان فيها وتخلّف ليخرقها ، فقال له موسى: تخرقها لتغرق أهلها ، والمضارع في عبارة موسى لاستحضار الصورة ، أو عزم على الخرق ، فلامه موسى بالمضارع ، ولما خرق لامه بالماضى ، وقد يمكن أنه حين الشروع في الخرق لم يروه ، ولا رأوا خرقه على أنه كالجنى يظهر إذا أراد ، ويختفى إذا أراد بإقدار الله D له على ذلك ، فلم يره إلا موسى .