{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } وقوله: { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } خبر ، لإن الأولى والرابط من فهو من وضع الظاهر موضع المضمر ، على أن المراد بمن أحسن عملا هو الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ولا يمنع هذا تنكير العمل ، فإنه للتعظيم اعتبر وضع الظاهر موضعه على وجه التعظيم ، وإن أريد بالأول الخصوص ، وبالثانى العموم ، كان الرابط العموم أو بالعكس فالرابط محذوف أى من أحسن منهم عملا ، أو هذه الجملة معترضة ، فيكون خبر إن الأولى قوله:
{ أُولئكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } وإِذا جعلنا الخبر هو إنا لا نضيع كانت هذه مستأنفة أو خبرًا ثانيًا لإن الأولى ، والعدن الإقامة ومنه المعدن لإقامة الجواهر فيه ، العمل الصالح هو إحسان العمل أو إحسان العمل قيد في العمل الصالح لأن الإنسان قد يعمل صالحًا ، ولا يحسنه ، وعلى وضع الظاهر موضع المضمر ، فالإحسان مراد في آمنوا وعملوا الصالحات ، وعلى غيره يكون الإحسان الذى هو أن تعبد الله كأنك تراه ، فتكون لآية في نوع من المؤمنين .
{ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ } خبر ثالث ، أو مستأنف أو نعت جنات ، أى من تحت غرفهم كما قال جل وعلا: { وهم في الغرفات آمنون } { يُحلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } خبر رابع أو مستأنف ، أو تحت جنات ، والمفعول الثانىمحذوف منعوت بمن أساور ، أى يحلون فيها حليا من أساور ، ومن هذه للتبعيض من هذا المحذوف ، أو بيان له ، ويجوز أن يكون متعديًا لواحد فقط بمعنى يعطون حليًا ، فتكون من للابتداء ، ومن ذهب نعت لأساور ، أو بيان لأساور ، أو تبعيض له يتعلق بمحذوف نعت أساور ، والمفرد اسورة وأسورة جمع سوار ، وقال أبو عبيدة: جمع أسوار بحذف الألف بعد الواو ، ولو اعتبرت لقيل أساوير بالباء ، أو حذفت من أساوير الياء .
قال أبو عمرو بن العلاء: سوار مفرد لا جمع ، وجمعه أساور بحذف ألف المفرد ، وكذا قال قطرب وأبو عبيدة ، وتنكير أساور وذهب للتعظيم ، والسوار حلقة تلبس في اليد أو في الزند ، وكان الملوك يتزينون في أيديهم ، ويتوجون في رءوسهم في الدنيا ، وتزين بها الأطفال الذكور أيضا فلا عيب في لبس أهل الجنة لها ، بل جعلها الله لهم زينة يحبونها ، ولو كانوا لا يحبونها في الدنيا طبعًا ، ولكل واحد من أهل الجنة ثلاثة أسورة ، واحدة من ذهب كما في هذه الآية ، والثانية من الفضة لقوله تعالى: { وحلّوا أساور من فضة } والثالثة من اللؤلؤ لقوله تعالى: { ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير } أو لبعضهم من ذهب ، ولبعض من فضة ، ولبعض من اللؤلؤ ، بحسب أعمالهم ، وأكثر التسوير في الدنيا النساء ، ويشترك به النساء والرجال في الآخرة والأصل دستاور لفظ عجمى تصرفت فيه العرب ، فقالوا سورت الجارية ، وقالوا: سوار بحذف الف دست ، ورائه وهائه وتائه وداله ، والصحيح أنه عربى وقيل: معرب دستواره .