{ وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ } أى في هذه الدار الأولى ، وهى الدنيا { أَعْمَى } صفة مشبهة كأحمر وأبيض ، أى عمى القلب ، لا يبصر رشده .
{ فَهُوَ فِى الآخِرَةِ أَعْمَى } كأعمى البصر ، لا يجد اتفاء المضر ، فهو في الآخرة هالك مضرور بالعذاب والنار ، كأعمى يمشى ولا يدرى أى مسلك هو فإنه يصادم الحائط ، ويقع في الهوة ، وعلى الشوك ، وبين يدى سبع ، وعلى ما يكره ، وهذا كقوله تعالى: { وأما من أوتى كتابه بشماله } فهو مقابل لقوله تعالى قبل هذا: { فأما من أوتى كتابه بيمينه } إلخ أو المعنى لا يجد سبيلا لنجاة ، ولما أنزلت الآية قال ابن أم مكتوم - وهو أعمى - لرسول الله A: === في الآخرة أعمى ، فأنزل الله تعالى: { فإنها لا تعمى الأبصار } إلخ .
وقيل: الأعمى أعمى البصر في الآخرة عقوبة لهم لقوله تعالى: { ونحشره يوم القيامة أعمى } إلخ ونحشرهم يوم القيامة إلخ ، وقيل: أعمى اسم تفضيل ولو كان من العيوب ، لأنه من عيوب الباطل فلا يمتنع صوغ اسم التفضيل فيه نحو أحمق وأبله ، ولذلك قيل لم يمله أبو عمر ويعقوب ، لأن ألفه في الوسط بمن التفضيلية ، بخلاف ما إذا كان صفة مشبهة ، فليست من التفضيلية مقدرة بعده ، ولا تسلم ما قيل: إن الإمالة لا تحسن وسطًا ، بل حسنت وكثرت ، كما في كتب النحو والتصريف ، وعلم القراءة ، وقد أمال أعمى في موضعين حمزة والكسائى وأبو بكر ، وقرأ ورش بين بين ، ولو كانت المتطرفة أولى بالإمالة ، لأنها تقلب في التثنية ياء ، وأيضا من التفضيلية كلمة أخرى ، فلا يعتبرها ما بعدها وسطًا .
{ وَأَضَلُّ } فيها { سَبِيلا } منه في الدنيا ، لأنه فيها يمكنه الاهتداء بخلافه في الآخرة ، وممن هو أعمى وأضل في الآخرة منه في الدنيا ، من لم يتب من ثقيف وقريش النازل فيهم قوله تعالى:
{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِى عَلَيْنَا غَيْرَهُ } مما لا يجوز كما طلبوه ، أما ثقيف فقالوا إذا وفدوا إلى رسول الله A من الطائف ، لا ندخل في دينك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب ، لا نعطى زكاة الحبوب ، ولا تذهب بنا للقتال ، ونصلى بلا ركوع ولا سجود ، ونأخذ ما لنا من الربا على غيرنا ، ولا نعطى ما علينا من الربا ، وأن تخلينا واللات وسائر أصنامنا سنة ، وإِذا تمت لم نهدمها بأنفسنا ، وأن لا يقطع أحد من وادينا شجرًا ولا نباتًا كالحرم ، وإن قالت العرب لِمَه؟ فقل: الله أمرنى بذلك .
وفى رواية من ذلك: شرطوا أن لا نصلى ، وفى أخرى إِذا تمت السنة مسرنا الأصنام بأيدينا ، وفى أخرى أن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها لنأخذ ما يهدى إليها ، ولما قالوا: لا نركع ولا نسجد ، أو لا نصلى ، قال: