{ فأرسَلنا عليْهم ريحا صَرصرًا } باردة بردا شديدا تهلكهم ببردها ، أو شديدة الصوت لقوتها ، وهو المشهور ، والشدة معلومة من تكرير الحرف ، تكسرهم ، تحمل الرجل أو المرأة في الهواء وتدقه في الأرض ، وتحمله وتضربه للصخرة ، وتضرب الانسان على الحائط ، وتدخل عليه في بيته وستره وتقتله فيه ، أو تخرجه وتقتله وهى مأمورة .
ويقال: الريح ثمانية: أربعة عذاب: الصرصر ، والعاصف والقاصف ، والعقيم ، وأربعة رحمة: الناشرة ، والمبشرة ، والمرسلة ، والدراية ، وفى معنى شدة الصوت الصيحة ، قال الله D: { فأقبلت امرأه في صرَّةٍ } وفى الحديث: « إن الله تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا قدر حلقة الخاتم ولو فتح قدر منخر الثور لهلكت الدنيا » قيل وكانت تحمل العير بأوقارها فتلقيها في البحر .
{ في أيَّامٍ نَحِساتٍ } مصدر مجموع بمعنى الوصف أو يقدر مضاف أى مصاحبات نحس ، أو مبالغة أو صفة مشبهة أصله نحس بكسر الحاء ، وسكن تخفيفا ، ويدل أنه قد قرىء في السبع بالكسر ، وجمع الألف ، والتاء على أيه مذكر لأنه غير عاقل ، والنحس الشؤم ، وقيل النحس البرد ، والصرصر الصوت قال:
كأن سلافه مزجت بنحس ... وقيل: ذوات غبار وتراب ، لا يكان الانسان يبصر فيها ، قال الراجز:
قد أغتدى قبل طلوع الشمس ... للصيد في يوم قليل النحس
أى الغبار ، ويحتمل البرد وهو أولى ، والصحيح أن النحس الشؤم ، يقال يوم نحس ، ويوم سعيد ، وهذا اليوم سعيد لنا ، نحس على الكافرين ، وإنما النحس بالنسبة الى من يصيبه السوء لا الى الزمان لا من خصوصيات الأوقات إلا أن أخبارا كثيرة بنحس أيام: كأربعاء آخر الشهر ، وكالثلاثاء يجاب فيه دعاء الداعى فتصببه الآفات ، قال ابن عباس: الأيام كلها الله تعالى لكنه سبحانه وتعالى خلق بعضها سعودا وبعضها نحوسا ، وكانت أيام النحوس المذكورة أواخر فبراير ، وأوائل مارس من شهور الشمس ، وآخر شوال من شهور القمر ، وروى ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء ، وقال السدى: أولها غداة يوم الأحد ، وقال الربيع بن أنس أولها يوم الجمعة .
{ لنُذيقهُم عَذاب الخِزى في الحياة الدُّنْيا } أى الذل ، وكأنه قيل: العذاب الخازى بالتعريف لعذاب ، ونعته بالخازى بلا تفضيل بدليل اسم التفضيل في قوله: { ولَعَذابُ الآخِرة أخْرى } وإسناد الخزى الى العذاب مجاز عقلى ، بأنه اشتد عذابهم لاشتداد تكبرهم { وهُمْ لا يُنْصرون } بدفع العذاب عنهم في الآخرة قبل وقوعه ، ولا باخراجهم بعده .