{ فَلْيُقاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ } لإعلاء دينه { الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيا } أخر المبطىء أو أخر غيره ، فليقاتل المخلصون الذين يبيعون الحياة الدنيا { بِالأَخِرَةِ } أو قد تأخروا ، أو أخروا غيرهم ، فليتركوا ذلك ويقاتلوا ، ويتركوا شراء الحياة الدنيا بالآخرة ويلتحقون بالمخصين { وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ } شهيدا ، مجزوم العطف والفتح نقل { أَوْ يَغلِبْ } عدوه في الله D ، فالواجب على المجاهد أن يقصد بجهاده إعلاء الدين ، ويثبت حتى يقتله العدو شهيدًا ، أو يغلب عدوه ، ولا يكون غرضه الغنيمة ، ولا أن يكون مقتولا ، وقى القتال إعزاز الدين ، قتل أو غلب ، وفى موته إعزاز نفسه بالشهادة { فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } ترغيب في الجهاد إذ كان فيه الأجر العظيم ، سواء أكان مقتولا أو غالبا وتكذيب لقولهم قد أنعم الله علىَّ إذ لم أكن معهم شهيدًا ، وزاد تحريضا بقوله:
{ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقأتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ } وفيه توبيخ لمن قصر { وَألْمُسْتَضْعَفِينَ } وفى تخليص المستضعفين ، كقوله: علفتها تبينًا وماء ، أى وسقيتها ماء ، فالعطف على سبيل ، ولا مانع من ترك التقدير ، لأن القتال سبيل الله ، وسبيل للمستضعفين ، لأن ما هو دين اله دين لهم ، وشأن لهم ، أو سبيلهم تخليصهم من أهل الشرك ، فالعطف على لفظ الجلالة ، والاستفعال في المستضغفين للعد ، أى المعدودين ضعفاء ، أو للوجود ، أى موجودين ضعفاء ، أو للتعدية ، أى صيرهم المشركين ضعفاء ، وعلى كل حال لا يقدرون على الهجرة { مِنَ الرِّجَألِ وَالنِسَّآءُ وَالْوَالِدَانِ } النساء كلهن ضعاف إلا ما شذ ، والولدان كلهم ضعاف ، والرجال بعضهم ضعاف ، فتجعل من البيان على تقدير مضاف ، هو لفظ بعض ، أى وهم بعض الرجال ، وكل النساء والوالدان ، ولك أن تقدر بعضًا مراعاة للعهد الذهنى ، إذ عهدوا أن في مكة رجالا ضعفاء ونساء وولدانا حبسهم المشركون عن الهجرة وآذوهم ، وضعفوا عن الهجرة لمرض أو ذل ، أو كبر سن أو خوف ، أو جهل طريق ، أو نحو ذلك ، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كنت أنا وأمى من المستضعفين ، أمه من النساء وهو من الولدان ، وهو جمع ولد ، ويجوز أن يراد بالولدان الإماء والعبيد أطفالا أو بلغا ، يقال للعبد والأمة وليد ووليدة ، وغلب العبد فيراد بالرجال والنساء الأحرار ، والحرائر الشاملون للبلغ والصبيان ، والمتبادر أن الولدان الصبيان ، وفى الآية للمشركين إذ كانوا يضربون النساء والضعفاء والصبيان مع ضعفهم وعجزهم عن القتال ، ومع أن الصبيان لا ذنب لهم ، وقد كانوا في الجاهلية يستقسون بهم وستدفعون البلاء بهم ، وجاءت السنة بالاستسقاء بهم { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا } ارزقنا خروجًا بوجه ما { مِنْ هَذَِهِ القَرْيَةِ } مكة { الظَّالِمَ أَهْلُهَا } أنفسهم بالشرك وغيرهم ، بظلمة في بدنه وماله وحبسه عن الخروج ودعائه إلى الشرك { وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيَّأ } يتولى أمرنا لمجير { وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا } يمنعنا من السوء ، فاستجاب الله D دعاءهم فيسر الله جل وعلا خير ولى وخير نصير ، وهو سيدنا محمد A ، أو هو عتاب ابن أسيد بفتح فكسر ، فتح مكة ، وولاه عليهم ، أو الناصر الذى أعطاهم الله رسول الله A ، لأنهم انتصروا بفتحه ، والولى عتاب ، وعلى كل حال تولاهم سبحانه الخروج لبعض قبل الفتح ، وقيل نصيرًا بمعنى حجة ثابتة .