فهرس الكتاب

الصفحة 2176 من 6093

{ يَوْمَ } يوم القيامة { تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا } يوم متعلق برحيم ، أو يقدر لذكر يوم الخ لنفسك لتتسلى ، ولهم ليرتدعوا عن الشر ، ومعنى خصام النفس عن نفسها خصام المعنى القائم بالجسم من الروح والإدراك عن بدنه ، ولا يحسن أن يقال النفس الأولى للذات ، فإِن البدن لا يجادل ، بل المعنى الحى الناطق ، وعبارة بعض النفس الأولى مجموع الذات ، وصاحبها يوم يأتى كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيرها من ولد أو والد أو قريب أو صاحب ، تزفر جهنم فيخر كل حى على الأرض حتى الملائكة على ركبهم ، ويقول الخليل وغيره: رب لا أسألك إِلا نفسى .

ويروى إِلا سيدنا محمدا A فإنه يقول: أمتى أمتى ، وعبارة بعض: النفس الأولى ذات الإنسان وحقيقته ، والثانية بدنه ، وعبارة بعض أن الأولى الشخص بأجزائه ، فالأجزاء فيه ملحوظة ، والثانية ما يؤكد به ، ويدل على حقيقة الشئ وهويته ، والأجزاء فيها غير ملحوظة ، فمعنى كل نفس كل أحد ، والتحقيق ما ذكرته أولا ، ثم رأيت ما أشار إليه إذ قال: الأولى الروح ، والثانية البدن ، والمجادل المدرك وهو الروح لا البدن ، وقيل: الثانية الأولى أعيدت لئلا يعمل عامل في ضميرين لواحد؛ والأصل تجادل عنها ، وأنت خبير أن ذلك العمل غير ممنوع إذا كان أحد الضميرين بالحرف نحو: { وهُزِّى إِليكِ } والمفاعلة هنا للمبالغة أى تخاصم عن نفسها خصامًا شديدًا إلا للمبالغة ، وعن المجاوزة ، لأنها تميل عمن يضرها ، وتعرض عنه ، لا كما قيل إنها للابتداء . أما جدال الكفار فمثل قولهم: هؤلاء أضلونا وما كنا مشركين ، ربنا أطعنا سادتنا ، وأما جدال الأبرار فمثل ابتليتنا بالمرض والفقر ، ويا ربنا منعونا عن الخير ، وقيل: إنما يعتذر الكفار ، ورد بعموم كل نفس ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره ما لم يتعين التأويل بدليل .

وكذا في قوله: { وَتُوَفَّى كَلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ } من شر أو خير ، والمقصود الجزاء ، فسمى باسم سببه وهو العمل ، وهو ملزومه ، وذلك لكمال الاتصال بين الجزاء والعمل ، وأظهر ولم يقل: وتوفى ما عملت بالإضمار لزيادة التقرير للإيذان باختلاف وقتى المجادلة والتوجيه إذ لا خصوصية للظاهر ، ولا للضمير بذلك الاختلاف .

{ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا ينقص من ثواب المؤمن ، ولا يزاد على الكافر ما لم يعمل ، ومن عمله ما أمر به غيره من شر ، أو نهى عنه من خير ، ويناسب العموم أنه ذكر قبل ذلك المؤمنين والكافرين ، فلا حاجة إِلى دعوى أن المؤمن لا يعتذر ، والاعتذار في موطن من مواطن القيامة ، والمنع منه في موطن آخر ، فلا منافاة بين آية إِثبات الاعتذار من الكفار مثلا ، وآية نفيه قال عكرمة: وهو عبد من سبى المغرب اشتراه ابن عباس أو أهدى إليه فأعتقه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت