فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 6093

{ وَتَرَى } تعلم أَو تشاهد وهو أَنسب لظهور حالهم { كَثِيرًا مِنْهُمْ } من المنافقين أَو اليهود { يُسَارِعُونَ } أَصله المسارعة في الخير ففيه المبالغة بأَنهم رغبوا في الشر كأَنه خير يتسابق إِليه { في الإِثمِ } الذنب ويقال الكذب لقوله { عن قولهم الإِثم } وقيل الإِثم الحرام وقيل الكذب بقولهم آمنا إِخبارا كان أَو إِنشاء إِلا أنه إِن كان إِنشاء فالكذب باعتبار تضمنه الإِخبار بحصول صفة الإِيمان وقيل الإِثم الكفر مطلقا { والعُدْوَانِ } الذنب بينهم وبين الخلق أَو خصوص الذنب المجاوز للحد { وَأَكْلِهُمُ السُّحْتَ } الحرام كالرشا وما يؤكل على الدين وعلى إِفساده ، والربا وعطفه تخصيص بعد تعميم { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلونَ } هو المسارعة في الإِثم والعدوان وأَكل السحت . .

{ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ } تحضيض على النهى { الرَّبَّانيوُّنَ } العباد { والأَحْبَارُ } العلماء ، ومر كلام فيهما وهما من اليهود لأَن الكلام فيهم ، وقيل الربانيون علماءِ النصارى والأَحبار علماء اليهود ولا مانع من أَن يؤمر نصراني بنهى اليهود { عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ } نصب الفر بالقول اعتبارًا لمعنى الذكر أَى عن ذكرهم الإِثم أَو لكونه بمعنى الجملة أَى عن قولهم: القرآن غير حق ، أَو محمد غير رسول ، أَو ليس في التوراة كذا وهو فيها ، أَو معناه كذا وليس كذلك ، أَو فيها كذا وليس فيها ، وليس بمعنى المقول وإِلا لم ينصب المفرد مفعولا { وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْس } والله لبئس أَو اللام للابتداء لشبه الفعل بالاسم لجموده { مَا كَأنُوا } أَى الربانيون والأَحبار { يَصْنَعُونَ } من ترك النهى عن المنكر وترك النهى منهم عن المنكر أَشد من أَكل السحت وقول الإِثم ، ولذلك قال يصنعون وهناك يعملون لأَن الصنعة ما كان من تدبير وتفكر وإِبرام فهو راسخ فبرسوخ ترك النهى زاد تركهم إِياه قبحا على قول الإِثم وأَكل السحت وأَيضًا بعلمهم بالله وكتبه يشتد النهى في حقهم عن المنكر فبتركه يشتد القبح ، ويؤخذ من الآية الوعيد الشديد على من ترك النهى من علماء هذه الأُمة كما قال ابن عباس والضحاك: ما في فى القرآن أَشد على العلماء من هذه الآية ، وأيضًا المعصية لذة للعاصى ولا لذة في ترك النهى فكيف يترك فتاركه أَقبح . وأيضًا يجترئ الناس على تلك المعصية وغيرها إِذا ترك النهى فيزداد ذنب تارك النهى ، ولما كذب اليهود A كف عنهم ما كان مبسوطًا عندهم من النعم ، وكانوا قبل ذلك أَكثر الناس مالا ونعمة فقال فنحاص بن عازوراءَ رأس يهود قينقاع أَو النباش بن قيس روايتان عن ابن عباس { يد الله مغلولة } ورضى بقوله اليهود ولم ينهوه ، فكلهم قالوا فنزل قوله تعالى:

{ وقالت الَيهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ } مقبوضة عن توسيع الرزق قبضها وهو كناية عن البخل أَو عن مطلق المنع أَو مجاز استعارى ، والكناية لا يلزم تحقق كلماتها بل لازمها ولو لم تتحقق كلماتها ، أَو عن الفقر تعالى الله عنه كقوله تعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إِن الله فقير ونحن أغنياء ، وذلك أَن الله جل جلاله لا يتصف باليد ، وقد قيل أَنها بمعنى النعمة ، لكن اليهود الزائغون مجسمون فلا يبعد أَنهم أَثبتوا اليد لله D ، ومن التجسيم قولهم إِن ربهم أَبيض الرأس واللحية قاعد على كرسى فرغ من خلق السماوات والأَرض يوم الجمعة واستلقى على ظهره واضعًا إِحدى رجليه على الأَرض وإِحدى يديه على صدره ليستريح من التعب تعالى الله عن ذلك ، وقالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إِلهًا كما لهم آلهة وقد عبدوا العجل وقيل قالوا استهزاءًا بالنبى A إِذ لم يوسع عليه وعلى أَصحابه ، وقيل يده ممنوعة من عذابنا إِلا قدر أَيام عبادة العجل ، واليد القدرة أَو على ظاهره { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } إِخبار بأَن أَيديهم ستغل في النر أَو تغل عند السحب إِلى النار أَو تغل بالأَسر ، أَو تزداد فقرا بحيث لا تعطى ولا تأخذ ، فالمعنى ستغل غلا لا بد منه وكأنه حاضر ونتحقق الآن ، أَو غلت عن الإِنفاق الموجب لإِدرار الرزق عليهم وإخبار ببخلهم فلا ترى أَبخل منهم ولا أَفقر ولو كانوا ذوى مال؛ لأَن الغنى غنى القلب ، أَو أَمسكت عن فعل الخير فالمراد كلهم لا أَيديهم فقط لا دعاء بفقر أَو قبض لأَن الله لا يدعو لأَنه إِنما يدعو المحتاج العاجز والله جل وعلا لا يحتاج ولا أَحد مثله أَو فوقه يستجلب منه إلا أَن يقال صورة دعاء بطريق الكناية بأَن يراد لازمها وهو كونهم بحال خسيسة بحيث يستحقون الدعاءَ عليهم بسوءٍ { وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا } من أَن يد الله مغلولة ، أَو به وبسائر بهاتينهم أَى أَبعدوا عن الرحمة بالمسخ قردة وخنازير والذل والجلاء وإِدخال النار ، والعطف على غلت أَيديهم وهو مثله في أَنه إِخبار أَو دعاء ، وناقض قولهم باثبات البسط له وبكونه يعطى بيديه معًا في قوله { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَأنِ } عطف على محذوف أَى ليس الأَمر كما قالوا بل يداه مبسوطتان ، والمعنى أَنه جواد باسط النعمة ، وهكذا المراد إِثبات الجارحتين ولكن ثنى اليد إِعلامًا بأَنه في غاية الجود ، وكناية يراد لازمها وحده تارة وهو هنا كثرة العطاء لا معناها الحقيقى فهو هنا الجارحتان ولازمها ومعناها معًا تارة ، أَو اليدان النعمتان نعمة الدنيا ونعمة الآخرة أَو نعمة إِعطاء الخير ونعمة صرف الضر ، أَو نعمة الدين أَو نعمة الظاهر ونعمة الباطن وما يعطى إِكرامًا وما يعطى إِهانة واستدراجًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت