{ وَهُوَ الَّذِى خَلَق السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ } وما فيها وما بينها ، ويدل على هذا أَن خلقهما أَعظم فغيرهما مخلوق بالأَولى له ، ولأَن الانفراد بالشىءِ دال على انفراد ما فيه أَو لابسه ، ولكن خص السموات والأَرض بالذكر لقوله { فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } أَو أَراد بالسموات كل العلويات فشمل العرش والكرسى وما في ذلك ، وبالأَرض كل السفليات فشمل ما فيها ، كذا قيل على التجوز ، وفيه أَنه خلاف الأَصل ولأَنه لا يصلح له ذكر ستة أَيام ، ويجاب بأَنه لا مانع من خلق ما فيهن في ستة أَيام ، والأَولى حمل الآية على ظاهرها وحكمته أَن الناس يعرفون السموات والأَرض وهما عظيمان فلوح إِلى أَن من خلقهما لا يعجزه شىءٌ والمراد بالأَرض الأَرضون ، فأل للاستغراق أَو هذه الأَرض الواحدة لأَن المخاطبين قد لا يعرفون سبع أَرضين وهم يعرفون سبع سموات ، وعلى الاستغراق فإِنما أَفرد الأَرض لأَنها نوع واحد وهو التراب بخلاف السموات فبعضها ذهب وبعضها فضة وبعضها زبرجد ، وهكذا وقيل في الأَرضين أَيضًا باختلاف النوع والأَيام الستة على التوزيع خلق السموات في يومين والأَرض في يومين والأَقوات في يومين ، والمراد بستة أَيام مقدارها لأَن خلق السموات والأَرض حين لا شمس ولا قمر وأَما الزمان فإِما عدم وإِما موجود بعد عدم ، وقد يجوز أَن يخلق الشمس والقمر ثم يخلق السموات بحيث بأْخذان منها محلا . { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } مماسًّا قبل خلق السموات والأَرض ، سواءٌ خلق العرش قبل الماءِ ثم خلق الماءَ تحته عمدة له ، أَو خلق الماءَ قبله ثم خلق على الماءِ ، وقيل أَول مخلوق من العالم بعد العرش الماءُ ، وخرج بالعالم نوره A والماءِ معًا بوقت واحد . قال كعب الأَحبار: خلق الله ياقوتة خضراءَ وصيرها ماءً وخلق الريح تحته ثم وضع العرش على الماءِ ، ولا مانع من كونه مماسًا للماءِ ، ومنعه بعض واستدل بالآية على إِمكان الخلاءِ الموهوم وهو الفراغ الموهوم وحقيقته أَن يكون الجسمان لا يتمسان وليس بينهما فضاءٌ والحق منعه ولا دليل في الآية على الجواز ولا مانع من التماس ، وقيل معنى كونه على الماءِ إِنما كما هو الآن في محله عال على الماءِ وملكه والعرش الملك { لِيَبْلُوَكُمْ } متعلق والمعنى ليعاملكم معاملة المختبر لأَخوالكم { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } عمل جارحة أَو علم قلب كما قال A: « أَيكم أَحسن عقلا وأَورع عن محارم الله وأَسرع في طاعة الله D » وعن سفيان معنى أَحسن عملا أَزهد في الدنيا ، وعن مقاتل أَتقى لله D ، وعن الضحاك أَكثرهم شكرًا ، ومدار العمل على القلب إِذا رسخت فيه ، وقد يرفع لصاحبه عمل الأَرض ، وجاءَ الحديث بأَن تفكر ساعة يعدل عبادة سبعين سنة ، وقول ليبلوكم إِلخ استعارة ووجه كون خلق السموات والأَرض معلولا للابتداءِ أَن منهما الأَرزاق وفيهم النظر للاستدلال على وجود الله وكمال قدرته وعلمه ، وإِنما قال أَحسن عملا بصيغة التفضيل ولم يقل أَيكم حسن عملا بصيغة الصفة المشبهة مع أَن أَفعال المكلفين معتبرة بالتفاوت بالحسن والقبلح لا إِلى أَحسن وأَقبح للتحضيض على التنافس بالترقى والازدياد في مراتب الحسن ، وإِنما علق البلوى بالاستفهام لما فيه من معنى العلم وحقيقة التعليق تعطل العامل عن عمله الأَصلى ، تقول: علمت هل قام زيد أَو هل زيد قائِم فعطلت علم من نصب مفردين بنصب محل الجملة قائِمة مقامها ، وأَصل البلوى التعدية بالباءِ فعطل عنها بنصب محل الجملة قائِمة مقام مفعول مفرد وأَما كونه بمعنى العلم المستحق لمفعولين فكفى عنه اشتمال اللفظ على المسند والمسند إِليه { وَلَئِنْ قُلْتَ } يا محمد للمشركين { إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ } ستبعثون { مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ } الخطاب هنا للمشركين ، وفى قوله ليبلوكم أَيكم للمؤمنين أَولهم وللمشركين ، وهو أَولى لأَن الكلام قبل وبعد في غير خصوص المؤمنين أَو المشركين كما هنا أَو هنا أَيضًا للمشركين والمؤمنين ، وقوله { ليَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } لا يمنع من التعميم لأَن المعنى عليه ، ولئِن قلت للناس إِنكم مبعوثون ليقولن الذين كفروا منهم وعلى أَنه هنا للمشركين لم يضمر في الجواب لأَنه لم يظهر في الشرط بل حذف ، ولو قال قلت للكفار إِنكم مبعوثون لقال ليقولن ما هذا إِلخ بضم اللام ، واستبعد أَن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر ، وإِنما ذلك لو أَظهر في الشرط اللهم إِلا بدعوى أَن قوله إِنكم مبعوثون ظاهر في الكفرة ، فمقتضى الظاهر بعد الإِضمار لهم لا الإِظهار كأَنه بظهوره قد أَظهر في الشرط ، ولا يخفى بعد عود الخطاب في يبلوكم للكفرة خصوصًا لأَن الكافر بيد الله بالحسينة والقبيحة لا بالأَحسنية والأَقبحية لكثرة الدلائِل حتى أَنهم آمنوا { إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ما هذا الذى تقول من البعث ، وهذا أَولى من رد الإِشارة إِلى البعث لأَنهم لا يقولون البعث سحر ، بل القول به إِلا أَن يراد بالسحر مطلق الباطل الذى لا أَصل له ، وأَولى من رد الإِشارة إِلى القرآن لأَنه لم يذكر لهم لفظ القرآن مثل أَن يقول جاءَنى في القرآن أَنكم مبعوثون ، ولو كان المعنى عليه وصحيحًا أَيضًا من حيث المعنى لو تلوث عليهم من القرآن ما فيه إِثبات البعث ومن حيث إِن ذكر البعث مشعر بالقرآن لذكره فيه فكأَنه ذكر القرآن وأَشاروا إِليه ، وإِنما البعث سحر عندهم باعتبار القول به والوعظ فإِنه يؤَثر في النفوس بالإِعراض عن الدنيا كالسحر كما أَن القرآن كذلك .