{ وعِبادُ الرَّحْمن } الذين أخلصوا العبودية والعبادة لله ، الذين هم أحق بهذا الاسم وإن يشرفوا به ، وأضافهم للرحم تفضيلا لهم ، وهو مبتدأ أخبره هو قوله: { الَّذين } أو قوله: { أولئك يجْزَون الفُرْقة } فيكون الذين نعتا { يمْشون على الأرْض هونًا } مشى هون ، أو ذوى هون لين ، لا يضربون الأرض بأرجلهم ، أو نعلًا بنعل كما يفعل التبختر ، ولا يسرعون وذلك سجيتهم ، أو زادوا فيها للتواضع لله لا رياء ولا تبخترًا ولا خداعًا ، وذلك مستتبع للرفق في أفعالهم وأقوالهم ، والعدل فيها وهو المراد لا خصوص ذلك المشى ، وذلك اولى من أن يفسر بأنه كناية عن الرفق والعدل المذكورين .
رأى عمر رضى الله عنه غلامًا يتبختر فقال: هذه المشية تكره إلا في سبيل الله سبحانه وتعالى ، وقد مدح الله تعالى أقوامًا بقوله سبحانه: { وعباد الرحمن الَّذين يمشون على الأرض هونًا } فاقصد في مشيتك ، يعنى مدحهم بتلك المشية المبنية على القوى ، كما مر ، وقد قيل: أن عباد هنا جمع عابد كصاحب وصحاب ، وراجل ورجال ، كما قرئ: وعباد بضم العين وشد الباء ، قال أبو هريرة ، وابن عباس: قال رسول الله A: « سرعة المشى تذهب بها المؤمن » .
{ وإذا خاطَبَهم الجاهلون } السفهاء { قالُوا سلامًا } سلمنا سلامًا ، أى تركنا ما تمسكتم به لإنعاملكم به ، وذلك قول لسان حال إذ خاطبوهم بسوء ، وسكتوا عن جوابهم ، وهو أولى من أن يفسر بالنطق ، لأنه قد يكون سببًا للجرأة ، روى أن ابراهيم بن المهدى رأى عليًا في نومه ، يريد أن يعبر قنطرة فقال له: إنما تدعى هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك ، وذكر ذلك للمأمون وقال: ما رأيت له بلاغة في الجواب ، فقال له المأمون: بم أجابك؟ فقال قال: سلامًا سلامًا ، فقال: يا عم لقد أجابك بأبلغ جواب ، إذ جعلك جاهلًا وأجابك بما أمر الله به ، وقرأ المأمون الآية ، فذل ابراهيم ، وكان منحرفًا عن على ، وكان الحسن اذا قرأ ما مر قال: هذا وصف نهارهم ، وإذا قرأ قوله تعالى:
{ والذين يبيتون } الخ قال هذا وصف ليلهم ، والبيتوتة أن يدركك الليل نت أو لم تنم { لربهم سُجَّدًا وقِيامًا } جمع قائم وقدم لربهم وسجدًا للفاصلة ، والسجود لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه ، ولكن المتكبرين أبوا منه مدحهم الله بقيام الليل كله أو نصفه ، أو دونه ، وقيل من قرأ شيئًا من القرآن في الصلاة في الليل فقد بات ساجدًا وقائمًا ، وقيل: المراد ركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، وقيل: من شفع وأوتر بعد العشاء فقد دخل في الآية .