فهرس الكتاب

الصفحة 2461 من 6093

{ فخرج على قَوْمه من المحْرابِ } خرس لسانه عن أن يتكلم للناس أو من المغرب ، وأصبح فخرج على قومه من المحراب ، أى المصلى أو الغرفة ، وأصله مجلس الأشراف الذى يحارب دونه ذبًا عن أهله ، فسمى محل العبادة محرابا ، لأن العابد يحارق الشيطان فيه ، ولم يكن المحراب على عهد رسول الله A ، وكانوا ينتظرونه أن يفتح لهم الباب ليصلوا ، فخرج متغير اللون وقالوا: مالك .

{ فأَوْحى إِليهم أن سَبِّحوا بُكرةً وعشيًا } أشار إليهم كما يدل له قوله تعالى: { إلا زمرًا } أو كتب لهم على تراب الأرض كما روى عن ابن عباس أو على ورقة ، كما روى عن عكرمة كقول عنترة:

كوحى صحائف من عهد كسرى ... فأوحاها لأعجم طه طمى

وقول ذى الرقة:

سوى الأربع الدهم اللواتى كأنها ... بقية وحتى في بطون الصحائف

وأن تفسيريه بلا تقدير ، قيل: أو مخففة بتقدير الباء ، وسبحوا صلوا ، كما روى عن ابن عباس سمى الصلاة باسم بعضها ، وهو التسبيح فيها ، وبكرة وقت صلاة الفجر ، وعشيًا وقت صلاة العصر ، فالتسبيح الصلاة في الوقتين على الكيفية التى أمر بها ، ولم يتعبدوا بالصلوات الخمس ، أو التسبيح ذكر الله وتنزيهه ، أمروا أن يسبحوا شكرًا للنعمة كما أمر ، أو المراد استغراق اليوم بالذكر ، وذكر طرفى اليوم فقط ، أو خص التسبيح لأنه من ير أمرًا غريبًا يقل سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله ، ومثل هذا ، أو أخبر قومه قبل طلب العلامة بما بشر به ، ولما تعذر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بشر به ، فسروا لذلك ، ولما ولد وبلغ سنًا مثله فيه قلنا يا يحيى كما قال:

{ يا يحيى خُذ الكتابَ } التوراة المعهودة ، أو صحف إبراهيم ، أو كتابًا خص به ، وأل للعهد الحضورى ، أو جنس الكتب المنزلة ، ولما يأت الإنجيل { بِقوَّة } بخذ منك في قراءته والعمل به ، والأمر به ، وعن أنس: القوة الدرس بجد ومواظبة ، وفى الأمثال: عليك بالدرس فإن الدرس هو الغرس ، قيل لعبد الله بن عباس: بم نلت العلم؟ فقال: بلسان سئول ، وقلب عقول ، وفؤاد غير ملول ، وكف بذول ، وبدن في الضراء والسراء صبور ، وقيل لبزرجمهر: بم نلت؟ فقال ببكور كبكور الغراب ، وتملق كتملق الكلب ، وتضرع كتضرع السنور ، وحرص كحرص الخنزير ، وصبر كصبر الحمار ، وقال بعض: إن القائل: { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } أبوه لما ترعرع قال له أبوه ذلك ، ولا دليل في الآية عليه ، فلا تحمل عليه ، ويزيده بعدًا قوله تعالى:

{ وآتيناه الحُكْمَ صبيًا*وحنانًا من لدنَّا وزكاة } فإن الأنسب أن يكون قائل هذا هو قائل: { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } وذلك في ذاته من الجائز ، فيكون آتيناه الحكم عطفًا على ما قبل: يا يحيى ، لكن أى دليل على إدخال الأب في ذلك ، فالقائل الله والعطف على قلنا المقدر ، والحكم الفهم والعبادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت