{ فَانْطَلَقَا } فقبل عذره وخرجا من السفينة ، فانطلقا يمشون على الساحل ، وهنا يبعد أن يكون البحر بحر طنجة ، لأنهما إذا جاوزا عرضا وقعا في أرض أندلس ، فلا تكون القرية تلمسان أو مثلها من مغربنا هذا ، ولا الجدار فيها ، أو في مثلها في هذه الأرض إِلا بأن يرجعا في سفينة إلى هذه الأرض ، وهو غير مذكور في الكتب ، وبعيد ، فيكون الغلام والقرية في غير هذه الأرض ، بل في أندلس أو بعدها .
ولكن هذا أيضًا بعيد ، لأنه من خرج من مضيق أندلس يدخل البر الكبير ، هو بر الأمم الكبيرة من العجم ، وأصحاب اللغات المختلفة ، ولا يجد مسلكا إلى بر الشام ، لأن البحر يعارضه ، إلا أن يكون بحر الشام غير موصول بآخر يومئذ ، فيبعد الأمر جدا فيمشى من وراء القسطنطينية الكبرى ، وهى وراء بحرنا هذا ، في البر الكبير إلى أن يصل إلى أعلى بحر الشام ، فيدخل الشام ، ثم وصل بحر الشام ، فنختار بحر طنجة ، ونقول سارت السفينة على طوله من ساحل في عدوتها إلى ساحل آخر فيها ، لا على عرضه فلا يدخلان أندلس .
{ حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا } مع عشرة غلمان يلعبون وهو أحسنهم وأنظفهم ، اسمه كما قال البخارى جيسور بالجيم ، وروى بالحاء المهملة أو جنيتور ، غير بالغ عند الجمهور ، لقول موسى نفسًا زاكية ، وقيل: بالغ سنّه عشرين سنة كما أخرجه ابن أبى حاتم عن سعيد بن عبد العزيز ، الشاب يسمى غلامًا ، ولو كان ابن عشرين ، بل قيل: أصله بعد البلوغ ، لأنه من الغلمة ، وهو شدة اشتهاء الجمع ، وذلك يتم بعد البلوغ ، فيكون تسمية مَن لم يبلغ غلامًا مجازًا لعلاقة الأول بمعنى أنه يقود إلى ذلك الاشتباء إن شاء الله D إن حيى ، ومبدأ الاشتباء عند المراهقة ، ومَن قال: بالغًا قال: إن زكاته أنه برئ من نفس يقتل بها .
{ فَقَتَلَهُ } بأن قلع رأسه بيده من أعلاه ، أو أَضجعه فذبحه ، أو ضرب رأسه بالجدار ، أو رضه بحجر ، أو ضربه برجله ، أو أدخل أصبعه في سًرته فاقتلعها ، ومات في ذلك كله ، ويبعد الجمع بأنه فعل ذلك كله ، لأنه زيادة تعذيب ، أو إحداث بالميت إلا أن يقال فعل ذلك تعجيلا عن تعذيبه في الموت .
{ قَالَ } له موسى { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } عن الذنوب إذ لم تبلغ كما فسر ابن عباس رضى الله عنهما ، الزكاة بصغر السن تفسيرًا باللازم ، أو لم تحدث موجب قتل ، واستدل بعض على بلوغه بقوله تعالى: { بِغَيْرِ نَفْسٍ } لأن الطفل لا يقتل بمن قتل ، بل الدية على عاقلته ، وإِن أمر فعلى آمره ، وأجاب الجمهور بأن المراد غير نفس توجب القصاص ، والصبى كذلك ، لا نفس توجب قتله بقتلها ، وإِنما ذكر القصاص ، لأنه أنسب بالمقام .